إخراج سيئ لمسرحية ترامب ونتنياهو: فصل لبنان عن مسار إيران… ليس متاحاً بعد!
ابراهيم الأمين
ثمة قدر كبير من العناصر المسرحية في كل ما صدر أمس عن الجانبين الأميركي والإسرائيلي. ففي واشنطن، يواصل المسؤولون التأكيد أن دونالد ترامب غاضب، لكنه عاجز عن إقناع بنيامين نتنياهو بالموافقة على وقف شامل للحرب، بما يشمل الجبهة اللبنانية. ويقول أصحاب هذا الرأي إن ترامب «سئم الحرب» ويريد التوصل إلى اتفاق مع إيران، وهو يدرك أن طهران لن تقبل بأي تفاهم لا يتضمن وقفاً كاملاً للحرب على لبنان.
أمس، أعلنت إسرائيل أن قصف الضاحية الجنوبية جرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وقبل ذلك بساعات، كان ترامب، الذي يبدأ يومه عادة بمتابعة أخبار المنطقة قبل الانخراط في برنامجه اليومي، يتحدث إلى وسائل الإعلام، مؤكداً أنه لا يدعم وقف الحرب في لبنان ضمن أي اتفاق مع إيران، ومعلناً في الوقت نفسه موافقته على ما وصفه بـ«العمليات الجراحية» التي تنفذها إسرائيل في الضاحية الجنوبية لبيروت.
ولم تمضِ ساعات على هذه التصريحات حتى نفذ العدو هجومه على الضاحية، أعقبه بيان أعلن فيه أن جيش الاحتلال استهدف مقراً فارغاً، وأن الغاية من العملية كانت توجيه رسالة رمزية. وسرعان ما اتجهت الأنظار إلى إيران ترقباً لردها. وبعد نحو سبع ساعات، توالت الأنباء عن هجوم إيراني شمل عشرة صواريخ استهدفت مواقع إسرائيلية في شمال الكيان.
وبعد ذلك بقليل، عاد ترامب إلى هوايته بإطلاق التصريحات التي ركزت هذه المرة على رفضه الانجرار إلى حرب جديدة. فنفى علمه المسبق بضربة الضاحية، ثم قال إنه سيطلب من نتنياهو عدم الرد على إيران، غير أن الأخير انتظر بدوره نحو سبع ساعات أيضاً، قبل أن يطلق عشرة صواريخ باتجاه أهداف داخل إيران.
واللافت أنه في حالَي القصف الإيراني على إسرائيل والقصف الإسرائيلي على إيران، كان مسؤولون أميركيون على علم بما سيجري قبل وقوع الهجمات بوقت كافٍ، لا يقل عن ساعة. ومع ذلك، كانوا يرددون أن الأمور باتت خارج سيطرة ترامب. وعندما اندلعت المواجهة الصاروخية بين الطرفين صباحاً، استيقظ الرئيس الأميركي على رسالة جديدة وجّهها إلى الجانبين: حسناً، توقفوا عن إطلاق النار!
ومع حلول مساء أمس، خلص الأميركيون إلى قناعة واضحة بأن إيران جادة في حماية لبنان، وحزب الله على وجه الخصوص، وأن هذا المسار لن يتوقف ما لم يتم إقناع نتنياهو بإنهاء الحرب بصورة نهائية. لكن المسؤولين الأميركيين عادوا إلى لازمتهم نفسها: ترامب يريد وقف الحرب، إلا أن نتنياهو لا يستجيب لطلبه.
إشارات على مراجعة لدى عون، وسلام يبحث عن مكان له على الطاولة، وبري يتكئ على الرد الإيراني لتصحيح المعادلات
بطبيعة الحال، يصعب تصديق هذه الرواية. فإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة فعلاً عن إلزام إسرائيل بوقف الحرب، فهذا يعني أنها لم تعد قادرة على شيء. الحرب مع إيران أظهرت أنها غير قادرة على هزيمة طهران أو إسقاط نظامها، كما تبيّن لاحقاً أن القوة الأميركية غير قادرة على ضمان فتح مضيق هرمز، سلماً أو حرباً. وإذا كان الأمر قد بلغ حد العجز عن فرض وقف الحرب على إسرائيل، وعلى نتنياهو شخصياً، فهذا يعني أن واشنطن دخلت مرحلة صعبة جداً، وهو ما سينعكس حكماً على موقعها التفاوضي مع إيران. أما إذا كانت تريد المناورة، وكانت شريكاً في قرار قصف الضاحية واختبار حدود الرد الإيراني، فقد تلقت الرسالة، ولم يعد أمامها سوى الذهاب سريعاً إلى اتفاق، أو ترك الأمور تراوح مكانها. لكن من قال إن الجمود الحالي يناسب جميع اللاعبين؟ وماذا لو كانت إيران ترى مصلحة في العودة إلى المواجهة؟ عندها، ماذا ستفعل واشنطن؟
أما في ما يخص لبنان، فقد ترك الرد الإيراني انعكاسات مباشرة على أكثر من مستوى. ففي القصر الجمهوري يدور نقاش من نوع جديد حول كيفية التعامل مع الواقع الذي فرضته إيران. علماً أن دوائر القصر كانت منشغلة بمتابعة القسم الثاني من مقابلة الرئيس جوزيف عون مع قناة «سي أن أن» الأميركية، والذي أبدى فيه رغبة في التوصل إلى اتفاق «عدم اعتداء مع إسرائيل». إلا أن ثمة تحولاً ما طرأ على موقف عون، يُتوقع أن تتكشف ملامحه خلال الساعات المقبلة. ذلك أنه تلقى نصيحة من «صديق» تدعوه إلى إعادة النظر في مقاربته، ليس تجاه حزب الله فحسب، بل تجاه إيران نفسها.
والأمر نفسه كان يجري في السراي الكبير، حيث اكتشف نواف سلام أنه متروك لمصيره، وأن المشكلة لا تقتصر على تهميشه من جانب عون، بل تتعدى ذلك إلى شعوره بأنه بات خارج الصورة، فيما يسمع عن اتصالات تُجرى عبر قنوات خلفية بين الولايات المتحدة ومرجعيات لبنانية، حتى إنه سأل عن حقيقة وجود تواصل بين واشنطن وحزب الله.
أما في عين التينة، فقد نقل زوار الرئيس نبيه بري أن الوضع المستجد إثر الرد الإيراني على قصف الضاحية. عنصر قوة للبنان وللمقاومة، وأن هناك ضرورة لتثبيت معادلة أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملاً ودائماً. وأن انسحاب مقاتلي المقاومة من منطقة جنوب نهر الليطاني يتم مقابل انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وإطلاق سراح المعتقلين، وأن هذه الثوابت غير قابلة للنقاش.
بري، الذي صاغ مقترحه لإعلان وقف الحرب استقبل السفير الأميركي ميشال عيسى، مستنداً إلى ما أحدثه التحرك الإيراني من تبدل في المعادلات. وهو يدرك أن الأميركيين يريدون التقدم خطوة إلى الأمام من دون إدخال تعديلات جوهرية على خطتهم. فواشنطن لم تكتفِ بتصريحات سخيفة لسفيرها في بيروت، بل عادت لتؤكد أنها «ملتزمة بتعزيز قدرات الحكومة اللبنانية»، مكررةً أن «المحادثات بين إسرائيل ولبنان منفصلة عن المفاوضات مع إيران».

