الإطار المقيت
بقلم: د. فادي شامية
الاتفاق الإطار الذي أُعلن عنه مساء الجمعة 26/6/2026 بين لبنان و”إسرائيل” في واشنطن؛ لم يعط لبنان أي شيء، لدرجة أننا لو افترضنا أن هذا الاتفاق لم يوقع؛ فلن يتغير شيء على الأرض، لأن وقف النار في الجنوب حصل بمعزل عن هذا الاتفاق أصلا، بينما يعطي الاتفاق الإطار لـ “إسرائيل” مسوغا لتأبيد احتلالها، وينقل الصراع إلى الداخل ليصبح بين “حزب الله”- الجيش اللبناني بدلا من “حزب الله”- “إسرائيل”.
من يقرأ نص الاتفاق يستنتج أن الدولة اللبنانية تعهّدت بالحرب الأهلية تحت مسمى “التزامها الحازم وغير القابل للتراجع باستعادة وممارسة السيادة الكاملة على جميع أراضيها.. وتحقيق نزع السـلاح الكامل”، وأنها ارتضت أن تقوم مقام الجيش الإسرائيلي في “التأكد من نجاح نزع سـلاح الجماعات المسـلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق”، وأنها أعلنت صراحة انفصالها التام عن مسار إسلام آباد، بدلا من الاستفادة منه، بدعوى “رفض ادعاءات أي دولة أو جهة غير حكومية استخدام القوة نيابة عنها دون تفويض صريح منها”، وأنها قبلت بوصاية أمريكية على الحكومة وعلى الجيش، والتزمت مع الحكومة الإسرائيلي “بإنشاء مجموعة تنسيق عسكرية، بدعم ومشاركة الولايات المتحدة، لضمان التنفيذ الشامل لهذا الإطار.. (واعتماد) برنامج صارم قائم على الأداء، لتمكين القوات المسلحة اللبنانية من فرض السيطرة العسكرية والأمنية الكاملة داخل لبنان وفقاً للترتيبات الأمنية المتفق عليها ضمن إطار المفاوضات”، وأنها قبلت بالالتزام “بمنع تدفق الأموال إلى أي كيان مرتبط بالجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وحظر أنشطة أي كيان أو منظمة أو فرد من هذا النوع (القرض الحسن وأشباهه)”، حتى لو استعملت الأموال لـ “إعادة الإعمار”، كما تورطت بربط إطلاق الأسرى بـ “البحث عن الرفات وإعادتها” (المقصود رماد رون أراد غير معروف الوجود).
وأغرب من ذلك كله أن الدولة اللبنانية أعفت “إسرائيل” من أية إدانات أو “أعمال سلبية سياسية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”! ذلك كله مقابل ماذا؟ “انسحاب تدريجي” قرية تلو قرية، و”مناطق تجريبية” تُعطى “شهادة التحقق” فيها من قبل “قوات الدفاع الإسرائيلية” فـ “تتولى بعدها القوات المسلحة اللبنانية تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة”، علما أن هذا الانسحاب بحد ذاته يعتبر حاليا طوق نجاة لنتنياهو في مواجهة الضغوط الأمريكية بعد التفاهم الأميركي- الإيراني.
هذا الاتفاق الإطار يستبطن – كما لا يخفى على متابع- الاعتراف والتطبيع الفوري، دون أية ضمانات، لكنه يذهب أبعد من ذلك في إعلانه صراحة تشكيل “مجموعات عمل لصياغة اتفاق السلام والأمن الشامل”.
لقد قدّم المفاوضون رأس “حزب الله”، حتى دون أن يقبضوا أي “ثمن سيادي”، بل جعلوا الإجراءات السيادية التزاما عليهم تجاه “إسرائيل” وأميركا والعالم.
لقد ورط هذا الاتفاق لبنان؛ سواء طـُبق -وهذا مستبعد-، أو لم يطبق، لأنه زرع بذورا لخيارات مقيتة كلها؛ إما حصد حرب أهلية، أو تسويغ حصار دولي واحتلال إسرائيلي، أو تمهيد لعودة العدوان.

