القيادة الأخلاقية في زمن الفتن
الشيخ الدكتور أحمد محيي الدين نصار
ليست الأزماتُ هي التي تصنعُ أخلاقَ الأمم، وإنما تكشفُ حقيقتَها؛ ففي أوقاتِ السكينةِ قد تبدو المبادئُ شعاراتٍ يتداولُها الجميعُ، أما حينَ يشتدُّ الصراعُ وتضطربُ الموازينُ، فإنَّ القيمَ تغدو امتحانًا عسيرًا، لا ينجحُ فيهِ إلا من آمنَ بأنَّ الحقَّ قيمةٌ لا تتبدلُ بتبدل المصالح، وأنَّ الإصلاحَ رسالةٌ لا وظيفةٌ، ومسؤوليةٌ لا امتيازٌ.
إنَّ الإنسانَ لا يقاسُ بما يحملُه من علمٍ أو سلطةٍ، بل بما يصنعُه بهما عندما تضيقُ السبل. فالعلمُ، إذا لم يتحولْ إلى موقفٍ يحفظُ المجتمعَ من الانقسامِ، بقي معرفةً جامدةً لا روحَ فيها.
ومن هنا، تتجاوزُ رسالةُ العلماء والمصلحين، في التصورِ الإسلاميِّ، حدودَ المناصبِ الرسميةِ؛ لتغدو حضورًا أخلاقيًّا في كلِّ موطنٍ يحتاجُ إلى كلمةِ حقٍّ أو مبادرةِ إصلاحٍ. وقد جعلَ القرآنُ الكريمُ الإصلاحَ بينَ المختلفينَ عبادةً تحفظُ كيانَ الأمةِ، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فكان الإصلاحُ واجبًا ينهض به أصحابُ البصيرةِ قبل أن ينهضَ به أصحابُ السلطةِ.
ولعلَّ أعظمَ ما يواجهه المصلحُ أنهُ يقفُ في مساحة لا يصفقُ لها المتخاصمون؛ فهو لا يمنحُ الشرعيةَ للغضبِ، ولا يغذي نزعةَ الانتصارِ، بل يدعو الجميعَ إلى الاحتكام إلى الحقيقة قبلَ الهوى. لذلك يكون طريقُه أكثرَ وعورةً؛ لأنهُ يرفضُ أن ينحازَ إلى الأشخاص على حساب المبادئِ، أو إلى الانفعالِ على حسابِ الحكمةِ. والتاريخُ الإسلاميُّ زاخرٌ بنماذجَ جسدتْ هذا المعنى، حينَ اختارَ رجالُ الإصلاحِ مخاطبةَ العقولِ قبل السيوف، وإحياءَ الضميرِ قبل الانتصارِ للرأيِ.
إنَّ أخطرَ ما يصيبُ المجتمعاتِ ليس وجودَ الخلافِ؛ فالاختلافُ سنةٌ من سنن الحياة، وإنما تحولُه إلى خصومةٍ تستبيحُ القيمَ، وتغلقُ أبوابَ المراجعة، وتجعل الإنسان لا يسمع إلا صدى صوتِه. وعندئذٍ يصبح الإصلاحُ محاولةً لإعادةِ الإنسان إلى ذاتِه، قبلَ أن يكونَ محاولةً لإعادتِه إلى غيرِه؛ لأنَّ النفوس إذا هدأت، أمكنَ للعقولِ أن ترى ما غابَ عنها تحتَ وطأةِ الغضب.
والقيادةُ الأخلاقية لا تعني غيابَ الخوف، وإنما تعني القدرةَ على إدارتِه. فالشجاعةُ ليستْ إنكارًا للمخاطر، بل تقديمًا للواجبِ على الراحة، وللمبدأِ على المصلحةِ العاجلة. ولهذا كانَ الصبرُ، في معناهُ العميق، اختيارًا واعيًا للفعلِ الصحيحِ، مهما ارتفعَ ثمنُه؛ لأنَّ السكوتَ عن الفتنةِ قد يكونُ أخطرَ من مواجهتِها بالحكمةِ؛ فآثارُها لا تقفُ عندَ حدودِ صانعيها، بل تمتدُّ إلى المجتمع كلِّه، وقد حذرَ القرآنُ من هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
ومن الخطاء أن نختزلَ القيادةَ في منصبٍ أو لقبٍ؛ فالقيادةُ الحقيقيةُ تبدأُ من الشعورِ بالمسؤولية، قبل أن تستمدَّ شرعيتَها من الصلاحياتِ الممنوحة. فقد يكونُ الأبُ قائدًا حينَ يحمي أسرتَه من التفككِ، والمعلمُ حينَ يصونُ وعيَ طلابِه من الانحراف، ومديرُ المؤسسة حينَ يجمعُ فريقَه على وحدة الهدف في أوقاتِ التوتر. فالقيادةُ ليستْ تقدمًا في الصفوف، بل تقدمٌ لتحملِ الأعباءِ حينَ يتراجعُ الآخرونَ.
وحينَ تتكاثرُ الأصواتُ، وتتشابكُ المصالحُ، لا يبقى للمجتمعِ ملاذٌ إلا الرجوعُ إلى مرجعيةٍ عليا تضبطُ الخلاف، وتحولُ دونَ انزلاقِه إلى صراعٍ مدمر. فالعدلُ، والرحمةُ، وحرمةُ الدماءِ، وحفظُ الكرامةِ الإنسانية، ليستْ مبادئَ ظرفيةً، بل ثوابتَ تحفظُ للأمةِ توازنَها، مهما اشتدتِ العواصف. أما المجتمعاتُ التي تفقدُ هذهِ المرجعياتِ، فتصبحُ أسيرةَ الأهواء، وتتبدلُ فيها الحقائقُ بتبدلِ المواقف، ويغدو الانتصارُ للرأيِ أهمَّ من الانتصارِ للحقّ.
ومن هنا تتجلى قيمةُ الأصواتِ المستقلة؛ فهي لا تستمدُّ مكانتَها من الانتماءِ إلى فريقٍ، بل من وفائِها للحقيقةِ. وبها يبقى الاختلافُ في إطارِ الحوارِ، ولا ينزلقُ إلى القطيعةِ، وتذكرُ الجميعَ بأنَّ الأوطانَ لا تبنى بالغلبة، وإنما بالتوافقِ على المبادئِ الجامعة. ولذلك كانَ وجودُ العلماءِ والمصلحينَ ضرورةً حضارية، لا ترفًا فكريًّا؛ لأنهم يحفظونَ ميزانَ العقلِ كلما مالتِ الكفةُ نحوَ الانفعال.
لا تظهرُ الأخلاقُ على حقيقتِها في أوقاتِ الرخاءِ، بل عندما يتعارضُ المبدأُ مع المصلحة. والتاريخُ لا يخلدُ من اختاروا السلامةَ لأنفسِهم، وإنما يخلدُ من آثروا سلامةَ الأمةِ على راحتِهم، وحملوا أمانةَ الموقفِ، ولو كانَ ثمنُها المشقةَ أو التضحية.
إنَّ لكلِّ عصرٍ فتنتَه، وإن اختلفتْ صورُها؛ فقد تكونُ سياسيةً، أو إعلاميةً، أو فكريةً، أو اجتماعيةً، غيرَ أنَّ سبيلَ النجاةِ يبقى واحدًا: أن تتقدمَ البصيرةُ على الانفعالِ، وأن ينتصرَ الضميرُ على الهوى، وأن يبقى الإصلاحُ خيارًا قبلَ أن يصبحَ ضرورةً. فالأممُ لا تنهضُ بكثرةِ الأقوياءِ وحدَهم، وإنما تنهضُ حينَ تمتلكُ رجالًا ونساءً يدركونَ أنَّ أعظمَ أشكالِ القوةِ هو الثباتُ على القيمِ، وأنَّ القيادةَ الحقةَ ليستْ في السيطرةِ على الناسِ، بل في القدرةِ على أن يبقى الإنسانُ إنسانًا عندما تضطربُ الموازين.

