الاستلاب الثقافي وتحديات الهوية الإسلامية
بقلم: آمنة ديب السكافي؛ مديرة مركز المفتي جلال الدين الثقافي
من أخطر آثار الاختراق الثقافي المعاصر نشوء حالة من الاستلاب الثقافي، يفقد فيها الإنسان ثقته بمرجعيته الحضارية، وينظر إلى ذاته بعين النقص، بينما يضفي على الآخر صورة التفوق المطلق، فتتحول التبعية إلى مظهر من مظاهر التحضّر، ويصبح التقليد مرادفًا للتقدم. وهذا تماماً ما حذر منه رسول الله ﷺ تنبيهاً للأمة من خطورة ارتهان وعيها للآخر، حيث قال: (“لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكُم شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو سَلَكوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُموه”، قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، اليَهودَ والنَّصارى؟ قال: “فمَن”؟) [رواه البخاري].
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة التغريب بوصفها إحدى أبرز إفرازات هذا الاختراق، وهي لا تعني بأي حال من الأحوال الاستفادة من المنجزات العلمية والإنسانية للحضارة الغربية، فالأصل أن الحكمة ضالة المؤمن وهو أحق الناس بها أينما وجدها، وإنما تعني الذوبان في منظومات فكرية وقيمية مغايرة، وإحلالها محل المرجعية الإسلامية والخصوصية الحضارية للأمة. والإسلام، في جوهره، لا يعادي العلم ولا يرفض التفاعل مع الحضارات، بل إن تجربته التاريخية قامت على الانفتاح الواعي والتفاعل الإيجابي مع منجزات الأمم، من غير أن يفضي ذلك إلى ذوبان الهوية أو التفريط بالثوابت؛ فالقرآن الكريم يرسخ قيمة التنوع الإنساني كوسيلة للتعارف المتبادل لا للتبعية الدونية، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
ومن ثم، فإن الأزمة التي تعانيها الأمة اليوم ليست أزمة معرفة أو تقنية بقدر ما هي أزمة وعي حضاري، وأزمة اختلال في العلاقة بين التقدم المادي والبناء القيمي، وبين امتلاك الوسائل الحديثة والمحافظة على المرجعية التي تمنح الوجود الإنساني معناه ووجهته. ولعل الأسرة المسلمة تمثل، في هذا المنعطف، إحدى أهم ساحات التدافع الحضاري في عصرنا، لأنها الحاضنة الأولى للقيم، والبيئة التي تتشكل فيها الشخصية الإنسانية. ومن هنا فإن استهداف الأسرة ليس استهدافًا لبنية اجتماعية فحسب، بل هو استهداف مباشر لمنظومة القيم والهوية والذاكرة الثقافية للأمة، بما يفضي إلى نشوء أجيال أكثر قابلية للاختراق، وأضعف صلة بمرجعيتها العقدية؛ وهنا تتجلى المسؤولية والأمانة التي طوق الإسلام بها الأسرة لحماية الفطرة والوعي، مصداقاً لقوله ﷺ: (كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ، … والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم …).
لذلك، فإن مواجهة الغزو الفكري لا تكون بالانكفاء على الذات، ولا برفض معطيات العصر، وإنما ببناء وعي حضاري متوازن، يستند إلى الوحي، ويستوعب سنن التدافع والتداول، ويعزز الأمن الفكري، وينمي ملكة النقد والتمييز، بحيث يكون المسلم مستقلاً بمعرفته وقيمها، ممتثلاً للتوجيه النبوي في التميز والأصالة كما أثر عن الصحابة في التحذير من الإمعية والتبعية للموجات السائدة دون تمحيص. فالتفاعل الحضاري لا يعني الذوبان، والانفتاح لا يقتضي التبعية، والنهضة الحقيقية لا تتحقق إلا حين تقترن القوة العلمية بالرسوخ الأخلاقي والوعي الرسالي.
ويبقى اليقين بوعد الله تعالى ركيزة أساسية في استعادة الثقة بالمستقبل، فمهما تنوعت أدوات الصراع، ومهما بلغت محاولات التضليل والاختراق من الإحكام والتعقيد، فإن الحق يظل قادرًا على تجديد حضوره في حياة الناس، لأن سنة التدافع باقية، ولأن الله سبحانه أخبر عن مآل الذين يحاربون الحق وينفقون جهودهم لتقويض قيمه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. ومن هنا فإن الحفاظ على الهوية الإسلامية لا يمثل حنينًا غافلاً إلى الماضي، بقدر ما يعبر عن وعي برسالة حضارية متجددة، تستمد مقومات بقائها من الوحي، وتنفتح على حركة التاريخ، وتدرك أن معركة المستقبل، في جوهرها، هي معركة وعي وقيم ومعرفة، قبل أن تكون معركة أدوات ووسائل.

