النجاة من الغم
بقلم: الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار
ليس الغم دائمًا دمعةً في عين، ولا وجعًا في جسد، ولا خسارةً يمكن للناس أن يروها. ولكن قد يكون الغم عالمًا كاملًا يسكن في الداخل؛ خوفًا من غدٍ مجهول، وقلقًا على أهلٍ لا نملك حمايتهم، وحسرةً على ما فقدناه، وعجزًا أمام واقعٍ تتكاثر فيه الأزمات حتى يشعر الإنسان أن الأبواب قد أغلقت من كل الجهات.
وفي زمانٍ تتثاقل فيه على الناس ظلماتُ الحرب والفقر والفقد والتهجير والعزلة والقلق على المستقبل، تبدو قصة نبي الله يونس عليه السلام أكثر حضورًا في وجدان الإنسان من أي وقت مضى. لا لأنها تحكي ابتلاء نبي ابتلعه الحوت فحسب، بل لأنها تكشف للمؤمن، في أقصى لحظات انكساره، عن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عنه: أن الظلمة مهما اشتدت، فهي ليست نهاية الطريق، قال تعالى: (فنَادَىٰ في الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
لقد كان يونس عليه السلام في ظلمات متراكبة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت؛ لم يكن بينه وبين السماء في تلك اللحظة طريقٌ يُرى، ولا سببٌ ماديٌّ يمكن الاتكاء عليه، ومع ذلك، حين غابت عنه كل الأسباب، لم يغب عنه الله، فخرجت من أعماق قلبه كلمات تختصر حقيقة العبودية: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ)، ثم واجه نفسه بصدق لا يعرف المواربة: (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، ثلاثة معانٍ تصنع في لحظة واحدة طريق النجاة: توحيدٌ، وتنزيهٌ، واعترافٌ بالتقصير. ثم جاء الفرج: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ)؛ وهنا ينتقل النص القرآني انتقالةً عظمى: من الحكاية إلى الوعد، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن خصوصية يونس عليه السلام إلى عموم كل مؤمن يجد نفسه في ظلمةٍ لا يرى لها منفذًا: (وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
إنه وعدٌ لا يعدُ بانتفاء البلاء أو خلو الحياة من الفقد والألم؛ فالأنبياء أنفسهم أُوذوا، والقرآن يقرر الحقائق كما هي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ). لكنّ الفارق الجوهريّ أن المؤمن لا يعبر المحنة وحدَه: قد يخسر المال ولا يفقد اليقين، وقد يغيب عنه العزيز ولا يغيب عنه الرجاء، وتضيق عليه الأرض فيتسع في قلبه الشوق إلى السماء. تلك هي النجاة الحقيقية التي يغرسها القرآن في الأرواح: ألا تحيلنا المحن إلى قنوط، ولا الخسائر إلى انهيار، ولا إبطاء الفرج إلى سوء ظن بالله.
لقد علّمنا يونس عليه السلام أن الإنسان قد يصل إلى لحظة يعجز فيها عن تغيير واقعه، لكنه لا يعجز عن تغيير موقف قلبه من هذا الواقع. وحين يتحول القلب من سؤال: “كيف أنجو؟” إلى يقين: “إن لي ربًا يسمعني”، تبدأ أولى خطوات النجاة. ولذلك قال النبي ﷺ: (دعوةُ ذي النُّونِ إذ دعا وهو في بطنِ الحوتِ لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانَك إنِّي كنتُ من الظالمينَ فإنَّه لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلَّا استجاب اللهُ له). فالنجاة ليست دائمًا أن يتغير العالم من حولنا كما نريد، وإنما قد تكون بأن يمنحنا الله قوةً نعبر بها ما لم نستطع تغييره، وبصيرةً نفهم بها ما عجزنا عن فهمه، وصبرًا لا ينكسر، وقلبًا لا ييأس.
ولعلنا اليوم، ونحن نطالع وجوهًا أنهكها الانتظار وقلوبًا أثقلها الفقد والخوف، أحوج ما نكون إلى استحضار هذا الأمل القرآني الشامل. قد لا نملك اختيار الأقدار، لكننا نملك بملء إرادتنا اختيار اللجوء إلى الله؛ فإذا تكسرت الأسباب المادية وسُدّت أبواب الخَلق، يبقى بابُ رب الأسباب مفتوحًا لا يُغلق. فيا من أثقله الغمّ، ارفع قلبك عن قسوة اللحظة إلى سعة الرحمة، واجعل أول خيطٍ في طريق نجاتك يقينًا صادقًا ينبض به لسانك: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، وانتظر من الله وعدًا خالدًا يهمس في أشد أوقاتك عتمة: لستَ متروكًا.. (وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).

