خاص الرابطة

وهن المؤسسات!

بقلم: الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار
تستند فلسفة التكليف والإدارة في الفكر الإسلامي إلى ركنين متينين أوجزهما القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). وتمثل هذه الآية الكريمة معادلة إدارية خالدة تجمع بين القوة التي تعني الكفاءة العلمية والمهارة المهنية والقدرة على الإنجاز، وبين الأمانة التي تعني النزاهة والعدل والخوف من الله وحفظ الحقوق.
هذه الثنائية ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل هي قاعدة حضارية لبناء المؤسسات؛ إذ لا قيمة للكفاءة إذا انفصلت عن الأخلاق، ولا تنفع الأمانة إذا اقترنت بالعجز وقلة الحيلة. ومن ثم فإن أي انحراف عن هذين المعيارين هو انحراف عن المنهج القرآني في اختيار الرجال وإسناد المسؤوليات.
غير أن المتأمل في واقع التعيينات داخل كثير من المؤسسات الإسلامية اليوم – وخاصة الرسمية – يلحظ انقلاباً واضحاً على هذه المعادلة، بل وحتى على القوانين المرعية الإجراء؛ إذ أُقصي معيار “القوي الأمين” ليحل محله معيار غير معلن قوامه الولاء، والمسايرة، والطاعة، أو ما يمكن تسميته بـ “المطيع المستكين”؛ وهو الشخص الذي لا يزعج رؤساءه، ولا يناقش قراراتهم، ولا يملك مشروعاً إصلاحياً مستقلاً، مهما كان ضعفه العلمي أو الإداري أو التزامه الديني أو لياقته السلوكية…
في البيئات الإدارية المريضة، يتحول الهدف من تحقيق رسالة المؤسسة إلى المحافظة على توازنات السلطة داخلها. ويصبح النجاح الإداري مرادفاً لغياب الأصوات الناقدة لا لارتفاع جودة الأداء. ومن هنا تبدأ أزمة المفاضلة؛ فصاحب الكفاءة الحقيقية يطرح الأسئلة، ويكشف مواطن الخلل، ويطالب بالتصحيح، ويستند إلى الدليل، بينما تنظر إليه القيادات المأزومة بوصفه مصدر تهديد لا مصدر قوة. لذلك تُفسَّر شجاعته على أنّها تمرد، ويُصوَّر استقلاله الفكري على أنّه صعوبة في التعامل، ويُعاقب لأنه لا يجيد التصفيق، بل قد يُعزل عن محيطه بالافتراءات والتشويه خشية تأثيره.
وفي المقابل، تُفرَّغ الأمانة من معناها الشرعي والأخلاقي، لتُختزل في الامتثال الكامل لرغبات الإدارة، فيصبح الأمين – في عرفهم – هو الذي لا يعترض، ولا يسأل، ولا يكشف الخطأ، ولا يسدد، ولو رأى الفساد رأي العين، بل لا مانع أن يكون فاسداً في الخلق والإدارة والمال… وهكذا يتحول الولاء للأشخاص إلى بديل عن الولاء للمبادئ، وتصبح الطاعة مقدمة على الحق.
ويتسلل غير الأكفاء إلى مواقع القرار ليس لأنهم يحملون مشروعاً إصلاحياً، بل لأنهم يمثلون الخيار الأكثر راحة للقيادات الضعيفة. فهم لا ينافسون رؤساءهم، ولا يكشفون قصورهم، ويقبلون تنفيذ أي توجيه دون مراجعة أو مساءلة، فيتحولون إلى أدوات إدارية أو اقتصادية أو سياسية مطواعة.
وليس هذا النمط وحده هو الخطر، بل إن بعض المؤسسات الإسلامية قد تتيح الفرصة لبقاء أو وصول أشخاص تظهر لديهم سمات سيكوباتية إلى مواقع النفوذ. والمقصود هنا ليس إطلاق تشخيص طبي على أشخاص بعينهم، وإنّما الإشارة إلى نمط شخصي معروف في علم النفس يتميز بضعف التعاطف، والقدرة العالية على التلاعب بالآخرين، واستغلال العلاقات لتحقيق المصالح الشخصية، مع ضعف الشعور بالذنب أو بالمسؤولية الأخلاقية، وقد ينعدم ذلك الشعور تماماً.
ويمثل هذا النمط خطراً بالغاً عندما يقترن بالسلطة؛ لأن صاحبه قد يبدو واثقاً، لبقاً، وصاحب حضور قيادي، لكنه يستخدم تلك الصفات لتنفيذ الأجندات التي يتبناها، ولبناء شبكات من الموالين، وإقصاء أصحاب الكفاءة والاستقامة، وإحاطة نفسه بأشخاص أقل قدرة منه حتى لا ينافسوه أو يفضحوه أو يكشفوا ضعفه. كما يتعامل مع العاملين بوصفهم أدوات لتحقيق نفوذه لا شركاء في رسالة المؤسسة، فيصبح الولاء الشخصي هو المعيار الأول في الترقية والتكليف، بينما تُهمَّش الكفاءة والنزاهة والاستقامة.
إن اجتماع القيادة الهشّة مع الشخصية المتلاعبة يمثل وصفة مثالية لانهيار المؤسسات وخاصة التي تتصف بالمرجعية؛ فالأولى تخشى الأكفاء المستقيمين، والثانية تستغل هذا الخوف لتوسيع نفوذها وفسادها، وفي الحالتين يكون الضحيّة هم الرعية وفي مقدمتهم أصحاب العلم والخبرة والاستقامة.
ولذلك فإن استبدال “القوي الأمين” بـ “المطيع المستكين” لا يمر دون ثمن. فسرعان ما تتحول المؤسسة إلى بيئة طاردة للعقول المبدعة، وجاذبة لأصحاب المصالح الشخصية. وتصبح الترقية قائمة على القرب من المسؤول لا على جودة الأداء، ويُستبعد أصحاب الرأي المستقل، ويُكافأ المصفقون، وتُصنع القرارات وفق المزاج لا وفق المعايير المهنية.
ومع مرور الوقت تفقد المؤسسة ثقة العاملين فيها، ثم تفقد ثقة المجتمع كله. ويصبح خطابها فاقداً للمصداقية عندما يتصدر المشهد أشخاص لا يمثلون أفضل ما فيها، بل أكثرهم قدرة على التكيف مع منظومة الولاء لأهل النفوذ. ويتولد الفساد المالي والإداري بصورة طبيعية؛ لأن من وصل إلى منصبه بغير كفاءة أو استمر عليه رغم مخالفاته يعلم أن بقاءه مرتبط بإرضاء من عيّنه، لا بخدمة المؤسسة أو تحقيق رسالتها.
إن علاج هذه الأزمة لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، بل بإصلاح منظومة الاختيار نفسها. كما ينبغي إعادة تعريف مفهوم الولاء؛ فالولاء الحقيقي ليس للأشخاص، بل للحق، ولرسالة المؤسسة، وللقيم التي قامت عليها. والنقد البنّاء ليس خروجاً عن الصف، بل هو أحد أهم أدوات الإصلاح، بل إن المؤسسات التي تعاقب الناصحين وتكافئ المصفقين إنما تحكم على نفسها بالتراجع ولو امتلكت أكبر الموارد.
إن المعيار القرآني (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) سيبقى صالحاً لكل زمان ومكان، وكل محاولة لاستبدال هذا الميزان الإلهي بمعايير الولاء الشخصي أو الطاعة العمياء أو النفوذ أو التملق ليست مجرد خطأ إداري، بل هي انحراف عن سنن العمران التي لا تحابي أحداً.
فالمؤسسات لا تنهار فجأة، وإنما يبدأ انهيارها يوم تُقصى الكفاءات، ويُقدَّم الولاء على الأمانة، والطاعة على الكفاءة، ويُفسح المجال لأصحاب النفوذ والمتلاعبين ليتحكموا في مفاصل القرار. وعندئذ لا يكون الفشل احتمالًا، بل يصبح نتيجة حتمية تؤكدها سنن الله في العمران، مهما ازدانت المؤسسة بالشعارات، أو كثرت لوائحها، أو تعددت مبادراتها، أو ارتفعت دعاوى النجاح. والله المستعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *