خاص الرابطة

سلسلة مقالات في الحج – رقم (5)

الحجُّ عرفة: من ضيق الأرض إلى سعة السماء

بقلم: المفتي الشيخ أحمد محيي الدين نصار

خاص Lampress

الحجُّ ليس رحلةً تُقطع فيها المسافات، ولا طقسًا موسميًّا تؤدَّى فيه الحركات، بل هو انتقالٌ عظيم من ضيق الأرض إلى سعة السماء، ومن صخب الدنيا إلى صفاء العبودية، ومن غفلة الروح إلى يقظة القلب. وفي قلب هذه الرحلة الربانية يقف يومٌ تتجلّى فيه معاني الإسلام كلُّها، وتنكشف فيه حقيقة الإنسان أمام ربّه، ذلك هو يوم عرفة؛ اليوم الذي اختصر النبي صلى الله عليه وسلم به الحج كله حين قال: »الحج عرفة«.

ليس في مناسك الإسلام مشهدٌ يشبه مشهد عرفة. ملايين القلوب تجتمع على صعيدٍ واحد، بثيابٍ واحدة، بلا فوارق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين لونٍ ولون، الكلُّ جاء مجردًا من زخارف الدنيا، يحمل ضعفه، وذنوبه، ورجاءه، ويرفع يديه إلى السماء قائلاً: “لبيك اللهم لبيك”. في عرفة تسقط الأقنعة، وتذوب الفوارق، ويقف الإنسان كما خلقه الله أول مرة؛ عبدًا فقيرًا يرجو الرحمة، ويخشى الحرمان. هناك لا قيمة إلا للتقوى، ولا رفعة إلا بالإخلاص، ولا نجاة إلا برحمة الله.

وقد عظَّم الله هذا اليوم تعظيمًا فريدًا، حتى اكتمل فيه الدين، ونزل قول الحق سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فنزلت الآية والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في أعظم مشهدٍ عرفته البشرية؛ مشهد البلاغ الأخير، والوحدة الكبرى، والإسلام في تمام نوره وكماله.

وعرفة ليست مكانًا فحسب، بل مدرسة إيمانية تهذّب النفس وتعيد تشكيل الروح. ففيها يتعلم المسلم أن العبودية ليست كلمات تُقال، بل خضوعٌ كامل لأمر الله، واستسلامٌ مطلق لحكمه، ولهذا كانت مناسك الحج مليئةً بالأعمال التي قد لا يدرك العقل كل حكمتها، لكنها تُربي القلب على معنى الامتثال؛ من الطواف، إلى السعي، إلى رمي الجمار، إلى الوقوف بعرفة تحت الشمس والسكون بين يدي الله ساعات طويلة.

وفي هذا اليوم العظيم تتجلّى الرحمة الإلهية بأوسع صورها؛ »ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ«، تدنو الرحمة، وتُفتح أبواب المغفرة، ويباهي الله ملائكته بأهل الموقف، قائلاً: «انظُروا إلى عبادي هؤلاءِ، جاءوني شُعْثًا غُبْرًا«.

إنها لحظةُ عفوٍ كبرى، يشعر فيها العبد أن السماء أقرب إليه من أنفاسه، وأن ذنوبه مهما عظمت أصغر من رحمة الله. ولهذا كان السلف يرون يوم عرفة موسمًا للنجاة لا يشبهه موسم، ويبكون فيه بكاء الموقن أنه يقف على باب الغفران. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إنَّ اللهَ تعالَى يُباهي بأهلِ عرفاتٍ ملائكةَ السَّماءِ، يقولُ: انظروا إلى عبادي، أتَوْني شُعثًا غُبرًا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، أُشهِدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم«.

وفي عرفة تتجلّى حقيقة الذكر والدعاء؛ فالحج كلُّه قائم على ذكر الله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ). فالطواف ذكر، والسعي ذكر، والتلبية ذكر، ورمي الجمار ذكر، والدعاء في عرفة هو ذروة هذا الذكر كلّه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: « خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عَرَفةَ، وخَيرُ ما قُلْتُ أنا والنبيُّونَ من قَبْلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ، وله الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ«.

وفي هذا المشهد العظيم تتربى الإنسانية على أسمى معاني الأخوة والمساواة؛ فلا نسب يرفع، ولا مال يقدَّم، ولا جاه يميز، وإنّما يقف الجميع على أرض واحدة، يلبسون لباسًا واحدًا، ويتوجهون إلى رب واحد، وكأن البشرية تعود إلى أصلها الأول يوم خلق الله آدم عليه السلام.

هناك على صعيد عرفات تهدم الكبرياء من النفوس، ويغرس فيها التواضع، ويعلّم المسلمون حسن الخلق والصبر واحتمال الناس، فالحج عرفة؛ والحج تهذيبٌ للسان، وتطهيرٌ للقلب، وتربيةٌ على الرحمة والبذل والإحسان. فلا حج مبرور مع أذى الخلق، ولا مع جدالٍ وكبر وخصام، ولذلك قال تعالى: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ).

أما يوم عرفة لغير الحاج، فهو نفحةٌ من نفحات الله تمتد إلى الأرض كلّها؛ يومٌ تُرجى فيه المغفرة، وتُرفع فيه الدعوات، ويُستحب صيامه لما فيه من تكفير ذنوب سنتين؛ الماضية والباقية. وكأن الله يفتح أبواب رحمته للحجيج ولمن بقي في بلده على السواء، حتى لا يُحرم أحدٌ من بركات هذا الموسم العظيم.

في يوم عرفة يستحضر المسلمون والعالم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلن من عرفة أن الإسلام ليس مجرد شعائر، بل دين رحمة وعدل وهداية للبشرية كلّها؛ ففيه تحريم الدماء والأموال والأعراض، وإبطال الربا، وإرساء للحقوق، ودعوة إلى الأخوة، وتحذير من الظلم والفرقة.. إعلانًا خالدًا عن كرامة الإنسان وعدالة السماء يتجدد في كل عام.

وإذا كان الناس يعودون من أسفارهم بحقائب ومتاع، فإن أعظم ما يعود به الحاج من عرفة قلبٌ جديد؛ قلبٌ تعلّم أن الدنيا أصغر من أن تُشغل عن الله، وأن العمر أقصر من أن يضيع في الغفلة، وأن النجاة الحقيقية ليست في كثرة المال ولا الجاه، بل في صدق التوبة، وصفاء الروح، وقرب العبد من ربه.

لهذا بقي يوم عرفة أعظم أيام العمر، وبقي الحج أعظم مدرسةٍ للعبودية، وبقي نداء التلبية خالدًا في ضمير الأمة: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”. إنه نداء القلب حين يعود إلى فطرته الأولى… ويقف أخيرًا بين يدي الله. هنيئاً لمن وعى وسعى واغتنم وارتقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *