لبنان: وطأة المفاوضات وأُشبوهة وقف إطلاق النار
بسّام ضو
سقطتْ أشبوهةُ وقف إطلاق النار عمليَّاً في لبنان. لا غرابة في الأمر. العدوُ الإسرائيليّ تاريخيَّاً لا يحترم وعوداً شفويَّةً ولا اتفاقيَّاتٍ كتابيَّة. “الوقْفُ” المزعوم استند إلى كلامٍ أميركيٍّ ملغومٍ أصلاً، فمذكرة وزارة الخارجيَّة الأميركيَّة التي ارتكز عليها “وقف إطلاق النار” احتفظ لـِ”إسرائيل” بما تُسمِّيه “حقَّ الدفاع عن النفس” و”حرية الحركة”. بدوره، الرئيس الأميركي دونالد ترامب كرَّر القول ذاته عندما أعلن تمديد ما يصفه بالهدنة ثلاثة أسابيع. السلطة اللبنانية قبِلت من دون أيِّ تحفُّظ، وروَّجت لهذا “الوقف” المشبوهِ بأنه “هُدنةً” فيما هو لا يرقى إلى مستوى التعريف القانوني لها. إنَّه تشويهٌ تامٌّ أقدمت عليه السلطة، بوعْيٍ أو من دون وعْيٍ. لم تُكلِّف نفسَها عناء تذكُّر اتفاقيَّة لاهاي عام 1907 ولا التذكير بها. هذه الاتفاقيّة تؤكِّد أن الهدنة هي صكٌّ مكتوب بين الأطراف المتحاربة، يجب أن ينال موافقة السلطات السياسية والعسكرية، لكي تنشأ له صفة الإلزام. هذا لم يحصل في لبنان فالسلطة خلطت عمداً بين وقف إطلاق النار والهدنة. أرادت أن تُروِّج لـِ”إنجاز” وهميٍّ تحت شعار الحلِّ الدبلوماسي بالمفاوضات المباشرة غير المستندة إلى توافق وطني وفصل مسار لبنان عن مسار إسلام آباد. العدوُّ الإسرائيلي يستغلُّ هذا الخلط والفصل ويواصل عدوانه، فيقتل ويُدمِّر ويُهجِّر، (عشرات آلاف الوحدات السكانية دُمِّرت حتى الآن) ويجرف الأراضي، ويُغيِّر المعالم، ويسرق الآثار، ويعتدي على الرموز الدينية، ويستهدف الصحافيين، (خرق فاضح لاتفاقيَّات لاهاي 1907 وجنيف 1949 وملحقها في بروتوكول 1977)، ويستفيد من بعض الإعلام الداخلي اللبناني الذي يبرِّرُ ممارساتِه بافتعال ذريعة القول إنَّ المقاومة هي التي تسبَّبتْ بالحرب، وبالتحريض عبر الادّعاء بأنَّ “إسرائيل” ليستْ لها أطماعٌ في لبنان [سيكون للإعلام حديث آخر لاحقاً]. والمضحكُ عند هؤلاء المدّعين هو ظنُّهم أنَّ الحقائق التاريخيَّة يمكن طمسُها. العدوان الإسرائيلي ابتدأ مُنظََّماً في العام 1949 بل إنَّ الحركة الصهيونيَّة – قبل إنشاء كيانها الاستيطاني – أدْرجتْ في مشاريعِها هدفَ السيطرة على الجنوب اللبناني ومياهه، ثمَّ على غازهِ ونفطه حديثاً. إنَّ ما هو أخطر من الخلط بين مفهومَي الهدنة ووقف إطلاق النار، هو التمهيدُ لتحوُّلات سياسية كبيرة بدأت تتضح تدريجيَّاً تحت هذا العنوان. لم تشأ السلطة اللبنانية أن تنتبه إلى أنَّ المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، لا يمكن أن تحمي أيَّ بلدٍ من تَغُوُّلِ عدوُّه إذا كانت من دون رؤية استشرافيّة لما يمكن أن يُطرح فيها، بما قد يؤدِّي إلى منزلقاتٍ صعبة وتنازلاتٍ خطيرة. كان من الممكن اختيار التروّي بدلاً من الاستعجال، فما الذي تستطيع السلطة أن تتحصَّن به طالما لا تستند إلى تفاهم داخلي، وكيف ستواجه محاولات مؤكَّدة لجرِّها إلى إنهاء حالة الحرب مع “إسرائيل”، فيما مقدمة الدستور تُصنِّفها عدوَّاً بموجب الالتزام بميثاق جامعة الدول العربية؟ وفيما قانون 1955 ما زال ساري المفعول، وهو يُحظّر أي اتصالٍ بها؟ وفيما قانون العقوبات اللبناني يُجرِّم جنائياً أيَّ نوع من الاتصال؟ السلطة في هذه المعمعة ضعيفةٌ جدّاً، بل هي أضْعفتْ نفسها، واسْتمرَأتْ رتابة خطابها، وأصرَّت على نهجها الأُحاديّ. ووَثِقت بالوعود الترامبية من دون احتساب المفاجآت والخيْبات. ولعلَّ أكثر خسائرها التي تنعكس سلباً على كل اللبنانيين، هو فقدانها الالتفاف الوطني العام حولَها، حتى لو كان على مستوى الطوائف في هذه الظروف المصيرية. هناك من يقول: إنَّ للبنانَ أُسوةً بمِصر والأردن اللذين وقَّعا اتفاقيات سلام مع إسرائيل، لكنْ يغيبُ عن بال هؤلاء أنَّ التركيب الاجتماعي-السياسي في هذين البلدين يختلف كثيراً عن لبنان. ليس عندنا إجماع على فكرة الدولة، ولا على كيفيّة ممارسة السلطة. هنا الانقسامات أفقية وعاموديّةٌ، طائفية ومذهبية وجِهويَّة، الأمر الذي يفرض ضرورة التوافق بإزاء أي خطوة مصيرية تُقدم عليها أيُّ سلطة، وإلَّا فإن الوجود الوطني يقع كلُّه في دائرة الخطر. نحن مقبلون على مرحلةٍ أشدَّ صعوبةً مما مضى. أشبوهة وقف إطلاق النار ستتحوَّل إلى ورقة استغلال يستخدمها العدوُّ الإسرائيلي [ نتنياهو أعلن مجدداً أن وقف إطلاق النار لا يعني وقف العمليَّات العسكرية في جنوب لبنان ضد حزب الله]، والمفاوضات المباشرة إذا جرت كما يرسمون لها في دوائر القرار الأميركي، ستضع لبنان أمام تحدّياتٍ جديدة تتقاطع بين الانقسام الداخلي، واستفادة العدوِّ من الوقت لمحاولة تجزئة الجنوب على شاكلة غزَّة، ورسم شريط حدوديّ محتلّ على غرار ما حصل عام 1978 وعام 1982، ولا يُستبعد استئناف القصف والتدمير وتوسيعهما. العودة إلى الحوار الداخلي هي الطريق الوحيدة للخلاص من هذه المنزلقات. وليس كثيراً على السلطة أن تعترف بأنَّ الأُحاديّةَ نهجٌ فاشل، وأنَّ التعامل الأمني مع المقاومة تحت شعار “حصر السلاح” أثبت خطأه، وبرهن بما لا يدع مجالاً للشك، أنَّ العدوَّ الإسرائيلي جاهز للابتزاز الخطير إذْ يسعى إلى ترويج نظريّته في الربط بين “وقف إطلاق النار” والقضاء على المقاومة عبر دفع البلد إلى صدامات داخلية. نعرف، ويعرف غيرنا جيّداً،أنَّ أيَّ مفاوضاتٍ تحتمل تعقيدات كثيرة. ولهذا تستوجب حسابات دقيقةً، ودراسة تفصيليّة سياسيّاً وقانونيَّاً وفكريّاً. وهنا نتذكَّر “كلاوزفيتز” الذي يرى أنَّ “أيَّ تفاوضٍ هو استمرارٌ للحرب بصيغةٍ أخرى“، فهل هذا ما تريده السلطة في لبنان؟. ولا نغفل أبداً أنَّ المفاوض الناجح هو من أعدَّ خيارات بديلة عندما تفشل المفاوضات، فهل فكرت السلطة بذلك؟

