المرأة شريكة الرجل في العلم والحضارة
بقلم: السيدة آمنة السكافي – مديرة مركز المفتي الشيخ محمد سليم جلال الدين الثقافي
LAMPRESS – 24-4-2026.
العلم من الفرائضِ المقرّرة على الأمة، فالدين كلّه مبنيّ على العلم، ولا يُعبد الله إلا به، ولا يمكن أن تستقيمَ الأمة إلا في ظله. والعلمُ على قسمين: فرضُ عينٍ، وهو ما يتحتَّمُ على كلِّ مُكلَّفٍ تعلُّمُه، كمسائلِ العقيدةِ والعباداتِ وكلِّ ما لا يسعُ المسلمَ جهلُه من التكاليفِ الشرعية. وفرضُ كفايةٍ، وهو ما إذا قام به بعضُ الأفرادِ سقط الإثمُ عن الباقين، ويشملُ التخصُّصَ في مختلفِ العلومِ التي تحتاجُها الأمّةُ في شؤونِ دينِها ودنياها، وتستعينُ بها في بناءِ حضارتِها، ونشر دعوتها، وتعزيزِ قوتِها، وتحقيقِ نهضتِها.
والمرأة شقيقة الرجل، وهي نصف المجتمع، وتلدُ النصف الآخر، فكأنها الأمة بأسرها؛ ومن هنا، أولى الإسلامُ عنايةً بالغةً بتعليمِها، وعدَّ ذلك من الواجباتِ التي لا يُستغنى عنها، وعلى نحوٍ يتَّسقُ مع طبيعتِها وفطرتِها، ويمكّنها من فهم واقعها وكيفية التعايش معه، والدورِ الذي اختصَّها اللهُ تعالى به في الحياة.
والخطاب في النصوص الشرعية شاملٌ للجنسين: الذكر والأنثى، والأنوثة والأمومة لا تعيقان طلبَ العلم، ولا تنافيان بلوغ المعرفة والنبوغ العلميَّ لدى النساء. وتُبيِّنُ كتبُ السيرةِ النبويةِ هذا المعنى بوضوح، إذ تسجِّلُ اللحظاتِ الأولى من تلقي الوحي، وكيف اهتزّ له بيتُ النبوة؛ فكانت السيدةُ خديجةُ بنتُ خويلد رضي الله تعالى عنها المؤمنةَ الأولى، والمستمعةَ الأولى، والتاليةَ الأولى لوحي السماء، والباذلةَ الأولى في سبيل الدعوة الإسلامية من نفسها ومالها، ممّا جعلها القدوة النسوية الأولى في الريادة والقيادة.
ثم يتوالى الوحي في بيوت أمهات المؤمنين، وكان للسيدةِ عائشةَ بنتِ أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنهما القِدْحُ المُعَلّى في شرف العنايةِ بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبرزت مفتيةً، ومعلمةً، وموجهة في شتى أبواب العلم والخير. وعلى هذا النحو، قدَّمت أمهات المؤمنين أروع الأمثلة في التعلم والتعليم والتوجيه، وأسهمن إسهامًا فاعلًا في مختلفِ الشؤون الفكرية والاجتماعية والتربوية والجهادية، فلله درّهُنّ.
وكانت المرأة تسأل فتنزل الآيات جواباً لسؤالها، أو بياناً لقضيتها، فها هي السيدة أم سلمة رضي الله تعالى عنها تقول: “يا رسول الله: لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ …).
والمرأة في العهد النبوي تميزت وتألقت وتصدرت مكاناً عالياً، بايعت وهاجرت وجاهدت وتعلمت وعلّمت، حتى بلغ ذكرها عنان السماء، وملأ علمها أرجاء الأرض، فحق لها أن يخلد التاريخ اسمها، وشرف لنساء الأمة الاقتداء بهن؛ فهذه أمُّ الدرداء كانت تُحدِّث وتُعلِّم، وكانت فقيهةً يقصدها طلابُ العلم، ينهلون من معارفها، وكانت تقول: “أفضل العلم المعرفة”.
وبرزت في التاريخ الإسلامي نماذجُ نسويةٌ عالِمةٌ أسهمت في نشر العلم وتعليمه؛ أمثال الشفاء بنت عبد الله العدوية في العلم والرأي، وحفصة بنت سيرين في الحديث والتفسير والفقه، وزينب بنت الكمال، وستّ الوزراء بنت القاضي عمر التنوخية في الحديث والرواية، وزينب طبيبة بني أود في طب العيون، ومريم بنت العجلي الإسطرلابي في علم الفلك، وفاطمة بنت محمد الفهرية التي أسست جامعة القرويين، أقدم جامعة قائمة في العالم، وغيرهم كثير.
لقد كان حضور المرأة المسلمة بارزاً في المجتمع العلمي خلال التاريخ الإسلامي؛ تعلُّمًا وتعليمًا، ورحلةً في طلب العلم، وإفادةً للطلاب، وتصنيفًا في العلوم، وإفتاءً، ومشاركةً في الشأن العام والبناء الحضاري، ولم تُغفِل كتبُ التراجم هذا الدور.
إنَّ حضورَ المرأة في ميدان العلم في الحضارة الإسلامية لم يكن طارئًا ولا هامشيًّا، بل كان حضورًا أصيلًا وممتدًّا، تؤسِّس له النصوصُ الشرعية، وتُجسِّده النماذجُ التاريخية عبر العصور. وقد أسهمت المرأةُ المسلمة إسهامًا فاعلًا في بناء المعرفة ونقلها، بما يعكسُ تكاملَ الأدوار بين الرجل والمرأة في تحقيق النهضة العلمية للأمّة. ومن ثمَّ، فإنَّ استحضارَ هذه النماذج المشرقة لا يهدف إلى مجرّد الاعتزاز بالماضي، بل إلى استنهاض الوعي بأهمية تمكين المرأة علميًّا في الحاضر، بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لأصالة هذا الدور وعمقه في الحصانة الفكرية والعقدية، والتطوّر والبناء الحضاري الإسلامي.

