هوس نفي الانقسام في لبنان وعلى امتداد الجنوب العالمي
وسام سعادة
عندما يرغب صاحب النظرة الليبرالية في أن يرى المجتمع كناية عن مجموع تعاقدات وتشابكات بين أفراد فهذا يوجد لديه دافع للتقليل قدر الإمكان من أثر الانتماءات اللاطوعية ومن ضراوة الانقسام بين الجماعات في المدى الجغرافي – السكاني الذي يخاطبه على أنه مجتمعه أو بلده.
كذلك الحاسب نفسه على الماركسية. لديه ما يحثه على تلقف كل ملمح يفيد أن الانقسام في هذا المجتمع ليس على الماوراء ولا هو بين هويات مغلقة بالفعل، إنما هو الاستقطاب المستمد من التنازع على الموارد ومن تقسيم العمل، وبالتالي فهو صراع طبقي، ولو ظهر ذلك في مجتمع ما بشكل أكثر تشوشا مما يظهر فيه ضمن مجتمع آخر، أو في سياق مرحلة أخرى.
بشكل عام، يمكن القول، إن واقع المجتمعات ما بعد الكولونيالية أظهر قصور هاتين المقاربتين معاً. فالأفراد حاضرون، لكن بهشاشة تكوينية عويصة، وكذلك حال الطبقات. لا يعني ذلك أن هذه المجتمعات هي خارج الرأسمالية، بقدر ما يعنيه ذلك أنه في هذه المجتمعات تظل الأشكال الأكثر جدة من الرأسمالية تتعايش مع منطق “التراكم البدائي لرأس المال”، بمعنى دوام الحاجة الى المصادرة والنهب، سواء من خلال الاستيلاء على ثروات الدولة: إفقار وتهميش وتهجير واسترقاق شرائح واسعة، أو من خلال طغيان السيولة الافتراضية التي تنزع عن الثروة طابعها الإنتاجي وتحيلها إلى مجرد فقاعات استهلاكية وانتماءات رمزية.
«القبائل»، «الطوائف»، «الطبقات الدينية الوراثية» – في الهند – حاضرة أكثر من ثنائية “فرد وطبقة” في هذه المجتمعات، لكن ليس فيها رهط كبر أو صغر لم يخترقه التحديث والاستهلاك والفردانية والرقمنة ناهيك عن محاكاة الأنماط الطبقية المختلفة لصياغة سرديات أحقيتها أو مظلوميتها أو حداثويتها. فهنا طائفة تجنح نحو تبني صورة «برجوازية» عن نفسها، وهناك طائفة يتلبسها «المزاج الشعبي». كثيراً ما يخطر للجماعات «الأهلية» في هذه المجتمعات أن تعطي «نكهة» طبقية لصراعاتها. ليس عن عبث، فالهرم الاجتماعي يختلف بين جماعة وأخرى، وعلاقة النخب الاقتصادية من كل جماعة بالاقتصاد المعولم والرقمي تختلف. الوهم الصادح هنا هو أن يتحقق «الصراع الطبقي» البلوري، المتعالي على الواقع الإثني والهوياتي. لكن «النكهة» تتجاوز نفسها أيضاً عند أكثر من محك. تارة تتماهى الطبقات الوراثية في الهند مع الطبقات الاجتماعية، وتارة تحجبها أو تشطرها، وتارة يتخذ الصراع بين الطوائف شكل صراع بين الطبقات، أي كما لو كانت الطوائف «هي المعادل المشرقي” للطبقة الاجتماعية، وفي تارة أخرى يحدث العكس، صراع “طائفي» بين الطبقات!
المفارقة بعد كل هذا، أنه إذا كان مفهوما السبب الذي يدفع الليبرالي كي يرى أفرادا، أكثر مما هم بالفعل كذلك، والذي يدفع الماركسي كي يرى طبقات، وسيان عنده إن كانت ترى نفسها أو لا تراها، وكي يندفع «المضاد للإمبريالية» كي يرى شعوباً تتحرك كأجساد جماعية، تكابد وتتبادل تجاربها وتتبسّل، فإن الغارقين لشوشتهم في التماثل مع الواقع الهوياتي، والذين يقولون بآلاف اللغات أن «بني قومي دائما على حق»، تراهم مع ذلك يسابقون الليبرالي والماركسي على الجحود بالطائفية والانقسامات القبلية والإثنية حين لا يعجبهم ذلك. «هم» يمثلون في طائفتهم، أما «الآخر» فعليهم دائما تقديمه على أنه في الطائفة المقابلة لا يمثل سوى نفسه، وأن الصراع معه على المبادئ ومكارم الأخلاق. هيهات.
في الهند، يتعامل اليمين القومي الديني الهندوسي مع نظرة طبقة دينية وراثية واحدة، البراهمة، على أنها جديرة بأن تتحول الى النمط القدوة لسائر الطبقات المحتسبة في الهندوسية، وفي الوقت نفسه يستهجن هذا اليمين أي حديث عن الفئوية، عن «الكاستية»، ولا يرى الى الحراك الذي ينشط باسم هويات طبقات وراثية مستبعدة تاريخياً، كالداليت، إلا كـ«أفراد» يعملون على بذر الشقاق.
في لبنان اليوم من يركب رأسه هذا الوهم، وخطر هذا الوهم على مفهوم الدولة ليس أقل من خطر اللادولة
في لبنان، لا يكاد اليميني يستهجن كيف تؤرخ حرب 1975 على أنها بين يمين ويسار، حتى يعود ويكابر على أنها كانت بين مسيحيين ومسلمين، إلى حد كبير، لا بل يتهم اليسار بأنه صورها كذلك، عندما صور الانقسام على أنه «طبقي«لا» طائفي». هذه الهلوسة، من الزاوية المنطقية لا تقتصر على فريق دون آخر في لبنان. دعاية اليسار كابرت على الحيثية التمثيلية للكتائب عام 75 فأدى ذلك مفعوله العكسي تماما. وكذا دعاية القوات اللبنانية وحزب الله اليوم. في الحالتين، هناك من يطعن في الحيثية التمثيلية الطائفية لعدوه الداخلي. المنطق الطائفي مزاجي بامتياز. عنده أن الطائفي هو دائما الآخر. وعنده دائما أن الطائفي ابن الطائفة الأخرى ليس لديه من صفة تمثيلية حقيقية في هذه الطائفة. أما المكمل الهلوسي لهذا الطعن في حيثية الآخر فتكمن في ابتداع صورة للمسيحيين هنا أو للشيعة هناك على أنهم إما يكونون على صورة «القوات» أو على صورة «حزب الله» وإما هم من الخوارج على الطائفة، «منسلخين من جلودهم»، «طابور خامس» فيها، «كارهون لأنفسهم ولبيئتهم»، «ذميون». عندما طرد باروخ سبينوزا من الطائفة اليهودية بأمستردام في بحر القرن السابع عشر كم قيل له من هذا الكلام. اليوم هناك في الشرق من يريد أن يرمي كل معترض على المناخ الأكثري في طائفته بالذمية، أي في أحيان كثيرة، بشبهة الإسبينوزية. فليكن. ليس قليلا بالمناسبة أن يحاول ديفيد بن غوريون مباشرة بعد قيام دولة إسرائيل أن يستصدر من رجال الدين فيها حكما بتبرئة إسبينوزا وإعادته للطائفة والقوم ولو بعد حين، ويفشل. لأجل ذلك، هناك مصيبتان لا واحدة: المكابرة على الحيثيات الموجودة بالفعل في طوائفها، لا من موقع التفكير الليبرالي أو الماركسي، بل من موقع تفكير طائفي، لا يجد الطائفية إلا عند سواه وينكر في الوقت نفسه على الأحزاب الطائفية المخاصمة له حيثيتها. ومعها، مصيبة إنكار كل ما يخرج على مخزون العنف الرمزي أو الحرفي ضمن طائفة معينة، على أنه عدو لآلهة هذه الطائفة، الغيبيين والأرضيين على حد سواء.
ينقسم اللبنانيّون. اليوم أكثر من ذي قبل. يجتهد كثير منهم في المقابل لنفي عمق هذا الانقسام. لجعله عمودياً فقط. لجعله انعكاساً لا لمشكلة وطيدة في «الداخل»، وإنما لمشكلة بين «الداخل» و«الخارج’». لجعله انقساماً بين «كثرة» وبين «قلة». بين إجماع محق وبين خارجين عنه. بين «وطنيين» و«خونة». كل يرى التبعية في الآخر. كل يحصي حجم الارتزاق عند الآخر. وكل يرى أن الآخر “يخونه”، لكن أنى تخون من ليس بينك وبينه رباط؟
ما عاد اللبنانيون ينقسمون فقط على سلاح حزب الله. هم ينقسمون جديا اليوم ليس حول موقف تكتيكي من التفاوض مع إسرائيل. بل حول إسرائيل نفسها. جزء من هذا الانقسام ظهر للسطح بشكل نافر في الأسابيع القليلة الماضية، وجزء آخر تراه ينتظر.
الخطأ “النظري” عند تناول الأحجية اللبنانية هو أن انقسام الناس حول السياسة الخارجية، وبما أنه أعلى كعبا من انقسامهم حول السياسة الداخلية، فهذا لا يمكن أن يحتسب بمعيار انسداد قنوات العيش المشترك. كما لو أن المعيار لتقدير نجاعة هذا العيش المشترك يفترض أن يكون حجم الانقسام على موضوعات الخلاف “الداخلية” حصرا ليس إلا.
الخطأ المكمل لهذا أن الانقسام اللبناني المكابر عليه هو حلقة احتقان متقدمة من ضمن عالم من المكابرة على التكوين الهجين لمجتمعات “الجنوب العالمي”. وليس هذا بتوصيف نظري فقط. لأن أي توهم بأن الانقسام اللبناني فرادة بلدية فقط يجعل هذا الانقسام مستعصيا تماما. كذلك كل تقدير بأن مفهوم الدولة كفيل بتسوية كل هذه المشكلات. لا ينفع. خاصة حين يجري التزنر بالدولة للمكابرة على انقسام مجتمعي محتقن وحاد. وفي لبنان اليوم من يركب رأسه هذا الوهم، وخطر هذا الوهم على مفهوم الدولة ليس أقل من خطر اللادولة.

