«حفرة الموت» التي رُميت فيها المنطقة!
عقب صلاة الجمعة من ظهر أمس خرج كثيرون من أهالي حي التضامن جنوبي دمشق في حركة عفوية أخذتهم من الجامع نحو الموقع الذي ارتكبت فيه مجزرة ما تزال ماثلة في أذهان السوريين والعالم.
كانت المناسبة هي إعلان القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ ما سمي “مجزرة التضامن”، الذي يتذكره الناس بعد أن نجح الباحثان الأكاديميان، السورية أنصار شحود، وزميلها التركي أوغور أوميت، في الحصول على 26 مقطعا للمقتلة، ونشرا منها مقطعا واحدا.
بدأت حكاية المجزرة تُعرف بعدما قام عسكريّ سوريّ منشق بحمل مقطع مصوّر وخاض رحلة مليئة بالمخاطر ليتمكن من الهروب خارج سوريا، إلى أن تمكن بعد 3 سنوات من تسليم الوثائق إلى فريق من الباحثين المتخصصين في قضايا الإبادة الجماعية، الذين عملوا على امتداد عامين قاموا خلالها بالوصول إلى الجناة عبر “فيسبوك” ومصادقتهم والحديث معهم على مدى أشهر، فتمكنوا من الحصول على ثقتهم والحصول على أسمائهم وخلفياتهم.
في التقرير الذي نشرته حينها صحف بينها “الغارديان” البريطانية تظهر اللقطات المسرّبة التي صوّرها عناصر الأمن لأنفسهم، حفرة كبيرة يقذف فيها الضحايا الذين احتجزوا من دون أسباب موجبة سوى حاجة القتلة للتسلية، ووجود هؤلاء الضحايا تحت سلطتهم، اعتمادا على الأغلب على أسمائهم وملابسهم، ومعالم الفقر التي تميزهم، وكونهم سوريين وفلسطينيين من طائفة محددة. قام هؤلاء القتلة بإعدام 271 مدنيا سوريا وفلسطينيا حيث تم قذف الواحد تلو الآخر في حفرة أعدوها لتكون مقبرة جماعية للضحايا ثم سكبوا الوقود على الجثث، وبعض الضحايا الذين ربما كانوا ما يزالون أحياء، وأشعلوا النار فيهم.
تثير طريقة التصرف الوحشية والعدائية ليوسف وعناصره مع النساء الحيرة في فهم هذا الشرّ العجيب. تصرخ إحدى النساء صرخة استغاثة، فيرد عليها القاتل بشتيمة بذيئة ويسحبها من شعرها ويلقي بها في الحفرة وهو يطلق عليها الرصاص. تصرخ امرأتان برعب فيقوم أمجد بركلهما نحو الحفرة وقتلهما، فيما تواجه الأخريات مصيرهن بصمت. يثير إشعال النار في الجثث أيضا بدل دفنهم وحسب التساؤل حول السبب، وهل كان ذلك بقصد التسلية أيضا.
إحدى العائلات التي نُكبت في تلك المجزرة هي عائلة صيام الفلسطينية، التي هربت إلى ألمانيا. عند بث مقطع الفيديو، عرفت الأم سهام ابنها، الذي احتجز خلال نقله الطحين إلى فرن “الضياء”، من البنطال الذي كان يرتديه، واستعادت اليوم الذي شاهدت فيه نجلها للمرة الأخيرة قبل أن يرمى في حفرة القتل.
وجد الباحثان اللذان كشفا مجزرة التضامن، وقتذاك، تشابهات مع مذابح عالمية مثل مذبحة سربرينيتسا التي قتل فيها 8 آلاف بوسنيّ، كما أشارا طبعا إلى تشابهات مع مذابح جرت برصاص وحدات القتل النازية المتنقلة في ألمانيا، ولكن اسم العائلة الفلسطينية يفترض أن يذكر طبعا بما جرى للعائلة التي تحمل الاسم نفسه في غزة، والتي كان آخر شهدائها هو حمزة صيام الذي قتله جيش الاحتلال الإسرائيلي الشهر الماضي، كما تذكر بما سمي “مجزرة عائلة صيام” التي استشهد منها أكثر من 10 بعد قصف إسرائيل منزلهم في حي الزيتون شرقي مدينة غزة.
تصوّر المجزرة خروج الإجرام السياسي من نمطه الاعتيادي الأمنيّ الذي يسعى للحفاظ على نظام ما إلى الهمجية “التسلوية” التي تحتقر البشر كبشر، وتقوم باستهدافهم على أسس دينية أو قومية أو حتى على طريقة لبسهم وعيشهم، وهو أمر أخذ، في المرحلة الإسرائيلية الأخيرة يتحوّل إلى نمط سائد يشهده “السكان المحليون” حيثما وصل الإسرائيليون، في غزة والضفة، كما في لبنان، حيث أخذوا بنهب البيوت، والتصوير فيها وهم يطبخون، وحيث قام جندي بكسر تمثال المسيح، وفي سوريا نفسها، التي يقومون فيها بأشكال الترويع وقتل واعتقال المدنيين.
بهذا المعنى، تتظهر صورة “مجزرة التضامن” وتتعمم، ويتشابك فيها تغوّل عناصر أمن النظام السوريّ السابق، مع إرهاب الوحدات المتنقلة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين.
القدس العربي

