«سيقبل مؤخرتي» – فظاظة ترامب تورط حلفاء الخليج في حرب إيرانصحيفة فلسطين كرونيكل
تورط دول الخليج، وقوضت النفي العلني، وسلطت الضوء على غياب استراتيجية أمريكية متماسكة.
أهم النقاط
مزجت تصريحات ترامب الأخيرة في منتدى مدعوم من السعودية بين السخرية الفظة والصراحة العملية بشأن دول الخليج التي ضربتها الحرب.
تتعارض تعليقاته مع الموقف العام الذي تديره دول الخليج بعناية.
وقد عززت هذه الحادثة مشكلة أكبر: حرب أمريكية إسرائيلية على إيران لا تزال أهدافها المعلنة غير ثابتة ويصعب الدفاع عنها بشكل متزايد.
لم يكن تصريح ترامب الأخير بشأن السعودية مجرد تصريح مبتذل، بل كان تصريحاً كاشفاً.
وفي كلمته التي ألقاها في 27 مارس في قمة مبادرة الاستثمار المستقبلية ذات الأولوية في ميامي، وهو حدث مدعوم من السعودية ومرتبط بجهاز الاستثمار في المملكة، انحرف الرئيس الأمريكي من التفاخر إلى السخرية، واصفاً ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بعبارات ستكون استثنائية في وقت السلم ومتهورة في الحرب.
في نص التصريحات الذي نُشر بعد الحدث، قال ترامب عن ولي العهد السعودي: “لم يكن يتوقع أن يتملقني هكذا”. ثم أتبع ذلك بعبارة أخرى لا تقل دلالة: “لكن عليه الآن أن يكون لطيفاً معي”.
كانت اللغة فظة، لكن الأهمية الأكبر تكمن في مكان آخر. لم يكن ترامب يُهين شريكاً علناً فحسب، بل كان يتحدث وكأن اعتماد السعودية على واشنطن أصبح حقيقةً مُسلّماً بها في زمن الحرب، أمراً يُتباهى به لا يُخفى.
ثم انتقل من السخرية إلى الإفصاح. وفي الخطاب نفسه، قال ترامب إن دول الخليج تضررت من الحرب بشكل مباشر أكثر بكثير مما اعترف به الكثيرون علنًا. وأشار إلى إطلاق الصواريخ على الإمارات العربية المتحدة، وتحدث عن تأثير الصراع على دول من بينها السعودية وقطر والكويت والبحرين، موضحًا كيف وصلت الحرب إليها بشكل مباشر.
في سلسلة واحدة من التصريحات، رسم ترامب صورة لساحة معركة إقليمية تعاملت معها عواصم الخليج بحذر أكبر بكثير في العلن.
هذا الأمر مهم لأن الموقف العام في الخليج كان أكثر دقة وتوازناً. فقد ذكرت وكالة رويترز هذا الأسبوع أن دول الخليج العربية حذرت واشنطن مراراً وتكراراً من التصعيد، وأعربت عن خشيتها من الانجرار إلى صراع لم تسعَ إليه ولم تستطع السيطرة عليه.
وفي يناير، أفادت الوكالة نفسها بأن المملكة العربية السعودية وقطر وعُمان ومصر شنت حملة دبلوماسية منسقة لحث الولايات المتحدة على تجنب العمل العسكري ضد إيران بسبب خطر التداعيات الإقليمية والرد على الأصول الأمريكية والبنية التحتية للطاقة في الخليج.
لم يكن هذا الحذر مصادفة. فقد أمضت المملكة العربية السعودية سنوات في محاولة تقليل تكاليف المواجهة المباشرة مع إيران، بما في ذلك التقارب الذي تم التوصل إليه عام 2023 بوساطة الصين.
حتى بعد بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، أكدت لغة الرياض العلنية على خطر التصعيد، بينما اتجهت باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر نحو الدبلوماسية ومحادثات خفض التصعيد.
في الوقت نفسه، ازدادت الحذرات العامة تعقيداً بسبب الإشارات الأكثر تشدداً التي تُبثّ من وراء الكواليس. فقد زعمت صحيفة واشنطن بوست في 28 فبراير أن محمد بن سلمان أجرى عدة مكالمات خاصة مع ترامب يدعو فيها إلى شنّ هجوم أمريكي على إيران، حتى مع دعمه العلني للدبلوماسية.
وفي الآونة الأخيرة، ذكرت صحيفة الغارديان أن المملكة العربية السعودية تحث واشنطن على تصعيد الحرب، حيث وصف أحد المصادر اللحظة الحالية بأنها “فرصة تاريخية” لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
من جانبها، ذكرت وكالة رويترز أن دول الخليج تريد الآن أن يتجاوز أي اتفاق نهائي مجرد وقف القتال: فهم يريدون إضعاف قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيرة بشكل دائم.
هذا هو التناقض الذي وقع فيه ترامب ثم فجّره. لقد حاولت دول الخليج الموازنة بين عدة حقائق في آن واحد: الخوف من إيران، والهشاشة الاقتصادية، والانكشاف الداخلي، وضرورة تجنب الظهور كطرف متحالف كامل في حرب أمريكية إسرائيلية.
لكن ترامب تحدث وكأن مهمة الموازنة برمتها لا تليق به. فقد قلل من شأن ولي العهد السعودي وجعله شخصية ثانوية، وتحدث علنًا عن تحمل دول الخليج تبعات الحرب. وسواء كان ذلك مقصودًا أم لا، فقد أدى ذلك إلى تضييق الفجوة بين التنسيق الخاص والإنكار العلني.
أضفى السياق مزيداً من الروعة على الأداء. لم يكن هذا تسريباً خارج الميكروفون أو حديثاً عابراً في تجمع انتخابي، بل كان منتدى استثمارياً برعاية سعودية في ميامي، حضره مسؤولون ومستثمرون سعوديون في وقت تسعى فيه المملكة إلى إظهار مرونة إقليمية واستمرارية اقتصادية رغم الحرب.
وعلى النقيض من ذلك، حوّل ترامب الحدث إلى استعراض للهيمنة الشخصية وحديث غير مسؤول في زمن الحرب.
كشفت التصريحات أيضاً عن مشكلة أعمق في موقف واشنطن الحربي: غياب هدف أمريكي نهائي مستقر وواضح المعالم. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أنه بعد شهر من بدء الحرب، ظلت العديد من أهداف ترامب المعلنة غير محققة أو غير محددة، وأن أهداف الإدارة المعلنة قد تغيرت بمرور الوقت.
وبالمثل، ذكرت رويترز في 28 مارس أن ترامب يواجه الآن خيارات صعبة فقط، فهو ممزق بين التفاوض والتصعيد مع تعمق الحرب، واستمرار الضغط على أسعار الطاقة، وتآكل الدعم المحلي.
حتى كبار المسؤولين الأمريكيين قدموا صيغاً متغيرة. فقد صرح وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الجمعة بأن الأهداف تتمثل في تفكيك قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيرة وتدمير قواتها البحرية والجوية، مع التأكيد على عدم وجود أي خطط لغزو بري.
لكن المنطق السياسي الحقيقي للحرب لطالما أشار إلى مكان آخر: إلى رغبة إسرائيل في القضاء على إيران كخصم إقليمي، وإلى مشروع إقليمي أوسع كانت فيه دول الخليج أصحاب مصلحة ورهائن في آن واحد.
تستمر لغة ترامب نفسها في كشف زيف الخطاب الدبلوماسي. فقد تذبذب بالفعل بين التهديدات بتدمير محطات الطاقة الإيرانية، والتوقف مؤقتاً لإجراءات دبلوماسية، والتباهي بالنجاحات العسكرية، والشكوى من الحلفاء الذين لم يقدموا الدعم الكافي.
لا يكمن النمط في الوضوح الاستراتيجي، بل في الارتجال تحت الضغط.
لهذا السبب، فإنّ تصريحات السعودي تتجاوز كونها مبتذلة. فهي تكشف عن رئيس يتعامل مع حرب ذات عواقب إقليمية هائلة وكأنها اختبار ولاء، وتمرين لتسويق صورته، وفرصة لإذلال الحلفاء علنًا.
كما أنها تُظهر مدى سهولة تفنيد ترامب للرواية التي يتم الحفاظ عليها بعناية والتي مفادها أن الممالك الخليجية ليست سوى متفرجين قلقين، مما يعزز التأكيدات الإيرانية القديمة بأن بعض دول الخليج العربية متورطة بشكل مباشر في الحرب.
في منطقة لا تزال تعاني من آثار الإبادة الجماعية في غزة، والتي زعزعت استقرارها مجدداً بسبب تصاعد الحرب على إيران، لم يقتصر تأثير تصريحات ترامب النارية على الإساءة فحسب، بل كشفت أيضاً عن هشاشة – وربما عدم نزاهة – بنية التحالف التي تقوم عليها الحرب نفسها.

