الحج بين الإحرام والتلبية
سلسلة مقالات في الحج – الرقم (2)
بقلم: المفتي الشيخ الدكتور أحمد محيي الدين نصار
خاص Lampress 5-5-2026
الحجُّ هو قصدُ مكةَ لأداءِ عملٍ مخصوصٍ في زمنٍ مخصوص، وهو ركنٌ عظيمٌ من أركان الإسلام الخمسة، وفرضُ عينٍ مرةً في العمر على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ مستطيعٍ بدناً ومالاً وأمناً؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِّ، وصومِ رمضان»، وقال ﷺ: «الحجُّ مرةٌ، فمن زادَ فهو تطوّع».
غير أنّ الحجَّ، في جوهره، ليس مجرّد انتقال بالأبدان من فجٍّ إلى فجّ، بل هو هجرةٌ بالقلوب من علائق الدنيا إلى حضرةِ الله ذي الجلال والإكرام؛ إذ تحمل كلُّ شعيرةٍ من شعائره، وراء ظاهرها الفقهي، أسراراً وجدانيّة تزكي النفس وتطهّرها من أدرانها، وتعيد صياغتها من جديد، وذلك تحقيقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيومِ ولدته أمُّه». ومن ثمّ، كان على من قصد البيتَ حاجًّا أن يعي نسكه الذي يريد التلبّس به: أيريد الإفراد بالحج، يُفرد فيه الحجَّ بنيّةٍ مستقلة، أم حج القِران؛ وهو أن يجمع فيه بين الحجِّ والعمرة بنيّةٍ واحدة وعمل واحد، أم حج التمتّع؛ يبدأ فيه بنسك العمرة، ثم بعد أدائها يتمتع بتحلله إلى وقت الإحرام بالحج.
وأياً كان نسكه فإنّ أوّل منازل هذه الرحلة: الإحرام؛ وهو نيةُ في ظاهرها الدخول في النسك، وفي باطنها عقدُ انخلاعِ الروح من ربقة الدنيا، وتجرّدُ القلب من شواغل الأغيار ليتزيّن بأنوار القُدُس؛ فكما يتخفّف البدن من مخيط ثيابه ليقف بفقره بين يدي الغنيّ، يتخفّف الوجدان من حظوظ النفس وعلائق الخلق، ليغدو العبدُ خالصًا لمولاه، لا يرى في الوجود إلا وجهَه، ولا يلهج لسانُه إلا بذِكره؛ فتغدو رحلةُ الحجّ هجرةً من كلّ شيءٍ إلى الواحد الحقّ المالك لكل شيء.
وفي مشهد الإحرام تتجلّى حكمةُ التشريع في تنوّع الهيئة بين الرجل والمرأة؛ فليس ذلك تمايزًا في القيمة، بل تناغمٌ مع الفطرة وكمالٌ في التعبّد: يخلع الرجل ثياب زينته، متجرّدًا من مظاهر الترف، مرتديًا ما يُشبه كفنه، كأنّه يقف على أعتاب الآخرة، معلنًا فقره المطلق إلى ربّه؛ بينما تبقى المرأة في سترها ووقارها، تُحقّق معنى الحياء الذي هو كمال تعبدها، فتجتمع في صعيد الحجّ صورةُ شموخ التجرّد عند الرجال مع سموّ السكينة والحياء عند النساء، ليكتمل في عين الوجود مشهدُ العباد وهم يهرعون إلى خالقهم: هذا بظاهر مكشوف، وتلك بستر موصوف، والقلوبُ خلف الهيئاتِ كلُّها لله صفوف.
ثم يفيض اللسان بالتلبية، منذ لحظة الإحرام: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك»، يرفع بها الرجال أصواتهم دون النساء، وتستمر حتى الشروع في الطواف للمعتمر، وإلى رمي جمرة العقبة للحاج؛ وفي هذا التفريق تتجلّى حكمةٌ جامعة بين تعظيم الشعيرة ورعاية الفطرة، دون أن يكون ذلك تفضيلًا لذاتٍ على أخرى، بل توزيعًا متوازنًا للأدوار؛ فرفعُ الرجلِ صوتَه بالتلبية إعلانٌ لشعائر الله وإظهارٌ للتوحيد في مجامع الناس، وامتثال لما ثبت في السنة من جهر الصحابة بها حتى تبحّ أصواتهم، تحقيقًا لمعنى قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، بينما تُؤمر المرأةُ بخفض صوتها، محافظةً على ما جُبلت عليه من الحياء والستر، وصيانةً لها عن مواطن الفتنة في مواطن الزحام والاختلاط، وقد جرى عملُ نساء السلف على التلبية سرًّا بحيث تُسمع نفسها دون جهر.
وفي هذا التمايز تنكشف حقيقةٌ أعمق في التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع؛ إذ يُناط بالرجل غالبًا دورُ الظهور والجهر وحماية الشعائر في الفضاء العام، لا على سبيل الامتياز بل على جهة التكليف والمسؤولية، بينما تُصان المرأةُ في دائرة الوقار والخصوصية، لا على سبيل الإقصاء بل تكريمًا لأنوثتها وصونًا لحيائها؛ فينشأ عن ذلك توازنٌ بديع دقيق بين “جلال الظهور” و”جمال الستر”، يحفظ للمجتمع هيبته وانسجامه، ويغرس فيه قيمة الوقار، حيث لا تُختزل المرأة في مظاهر الصوت والظهور، ولا يُعفى الرجل من واجب الإعلان والتبليغ، بل يتكامل الطرفان في أداء رسالة العبودية؛ فليس في خفوت صوت المرأة إسكاتٌ لها، بل توقيرٌ لخصوصيتها، كما ليس في جهر الرجل تفضيلٌ له، بل تحميلٌ له بأمانة إظهار الشعيرة وتعظيمها.
فالتلبية في معناها العميق ليست ألفاظًا تُردَّد فحسب، بل هي نداءُ شوقٍ يطلقه القلب استجابةً لنداء الرحمن، وعهدُ قربٍ يعلنه العبد؛ يذوب فيه تعلّقه بنفسه في جلال التوحيد، ويتخفّف من أثقال الالتفات إلى الخلق، معلنًا أنّ رحلته قد بدأت من تفرّق المقاصد إلى وحدة القصد: فلا مطلوبَ سواه، ولا ملجأَ إلا إليه.

