سلسلة مقالات في الحج
الرقم (1)
الحجّ: فريضة فردٍ وشعيرة أمّة
المفتي الشيخ أحمد محيي الدين نصار
خاص LAMPRESS 2-5-2026
يقول الحقّ تبارك وتعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: 97). تؤسّس هذه الآية الكريمة لمعنى عظيم يجمع بين التكليف الفردي والبعد الجماعي في آنٍ واحد. وقد فرض الله تعالى الحجّ في السنة التاسعة من الهجرة، وحجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالناس في السنة العاشرة حجةَ الوداع، تحت نداء: «خذوا عني مناسككم»، مبيّناً للناس أحكام هذه الشعيرة ومقاصدها، ومجسّدًا صورتها العملية الكاملة.
لقد أوجب الله سبحانه الحجّ على المستطيع بقوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، فجاء التعبير بالاستطاعة مطلقاً دون تحديد تفصيلي دقيق ومانع، إذ إنّ كلّ إنسان أعلم بحاله وقدرته. فالاستطاعة تعني القدرة على الوصول إلى بيت الله الحرام، وهي تختلف باختلاف الأشخاص من حيث القرب والبعد، واختلاف أحوالهم البدنية والمالية والأمنية. ولذلك كانت الاستطاعة موكولة إلى وعي المكلّف وضميره وأمانته، وهي ابتلاء واختبار؛ يستفتي فيها المسلم نفسه، فهو أدرى بظروفه، يستفتي ضميره، ويزن أمره بصدقٍ وتجرد، والله مطّلع على السرائر، لا تخفى عليه خافية، وهو الذي يجازي على النيّات كما يجازي على الأعمال.
ويُستنبط من الآية الكريمة أنّ حجّ البيت الحرام يجمع بين كونه فرضَ عينٍ على كلّ مسلم مستطيع، وفرضَ كفايةٍ من حيث إقامة هذه الشعيرة في الأمة؛ إذ لا بدّ أن يقوم بها في كل عام جمعٌ من المسلمين، فإن عطّلوها جميعًا أثموا جميعاً، لذلك وُجِّه الخطاب في الآية إلى عموم الناس.
ثمّ قال تعالى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، أي: من لم يذعن لوجوب هذا الركن مع القدرة عليه، فإنّ ضرر ذلك يعود عليه وحده؛ فالله سبحانه غنيّ عن عباده، لا تنفعه طاعتهم ولا تضرّه معصيتهم. وقد عظّم الشرع إثم تارك الحجّ دون عذر حتى شُبِّه بالكفر؛ لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ملك زادًا وراحلةً تُبلِّغه إلى بيت الله، ولم يحجّ؛ فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا» (رواه الترمذي)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يمنعه من الحجّ حاجةٌ ظاهرة، أو سلطانٌ جائر، أو مرضٌ حابس، فمات ولم يحجّ؛ فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا» (رواه الدارمي). وهذا من باب التغليظ، إذ هو كفر بنعمة الله، وتحذير شديد للمتهاون بهذه الفريضة العظيمة أنه على خطر عظيم؛ إذ قد يموت على حال الضالين أو المغضوب عليهم.
إن الحجّ في بعده الحضاري، تتجلّى فيه وحدة الأمة في أبهى صورها؛ إذ يجتمع المسلمون من شتى الأقطار، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم، في زمانٍ واحد، ومكانٍ واحد، وهيئةٍ واحدة، ونداءٍ واحد. تتلاشى فيه الفوارق، وتسقط الامتيازات، فلا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لغنيّ على فقير، إلا بالتقوى، وتتجسّد حقيقة الاستخلاف، ورسالة الإسلام، واعلان التوحيد والانقياد والطاعة لله رب العالمين.
إنّ الحجّ ليس مجرد عبادةٍ موسمية، بل هو مدرسةٌ إيمانية متكاملة، تعيد تشكيل وعي المسلم بذاته وأمته وربّه. فهو فريضةٌ تُختبر فيها صدقية الإيمان على مستوى الفرد، وشعيرةٌ تُقاس بها حيوية الأمة على مستوى الجماعة. فطوبى لمن لبّى النداء مخلصًا، وأدّى النسك خاشعًا، ورجع بقلبٍ أنقى، ونفسٍ أزكى؛ وسعى بعد ذلك إلى أن يكون شاهدًا على معاني الحجّ في سلوكه وحياته، كما كان شاهدًا عليها في شعائره ومواقفه.

