الإيمان بالقدر.. كيف يقضي على الخوف من المستقبل؟
الإيمان بالقضاء والقدر الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل عليه السلام المشهور: «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» (متفق عليه)، فلا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بأن الله تعالى قدَّر كل شيء بعلمه السابق، وكتبه في اللوح المحفوظ، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ومن أعظم ثمار هذا الإيمان ما يزرعه في قلب المؤمن من طمأنينة وسكينة، تنقله من ضيق الجزع إلى سعة الرضا، ومن قلق التوجع إلى هدوء التسليم، وهذه الطمأنينة ليست شعورًا داخليًا فحسب؛ بل تظهر في حياته واقعًا، وهذه كلمات في تلك الآثار.
أولاً: راحة البال عند المصائب:
عندما يحل البلاء بالمؤمن ويعلم أن ما قُدّر عليه قد سبق أن كُتب في اللوح المحفوظ؛ فهذا خير دواء لآلامه التي قد يعيشها، قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ {22} لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد)؛ فهذه الآية الكريمة تبيِّن أن كتابة المقادير سابقة لوجودنا، والأثر من معرفة ذلك ألا يحزن المؤمن على فاته من أمور تمناها، ولا يمرح مرح بطر بما ناله.
ثانياً: زوال الخوف من غير الله عز وجل:
المؤمن الموقن بالقدر لا يخاف من مخلوق إلا بقدر ضئيل لا يؤثر في حياته التأثير العظيم، لأنه يعلم أن أجله ورزقه ونفعه وضره بيد الله عز وجل وحده، قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني)؛ والعلم بذلك يقطع تعلق القلب بغير الله عز وجل، ويمنح المؤمن حريةً داخلية لا يشعر معها بالذل لأي مخلوق.
ثالثاً: الاستقرار النفسي عند العمل والسعي:
قد يظن البعض أن الإيمان بالقدر يدعو إلى الكسل والخمول وعدم الاكتراث بالواقع، لكن الحق أن المؤمن يجمع بين السعي الجاد والتوكل على الله عز وجل، لأن كلاهما أمر منه سبحانه، ولكنه يعلم أن مآل جميع آموره هو ما قدَّره الله عز وجل، وأنه مجازى بعمله لا بنتيجته، فيعمل ما يقدر عليه ثم يرضى بالنتيجة، قال الله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51)، فيا له من أمن وأمان، لا خوف من فشل العمل، ولا هلع من عدم تحقيق الأهداف أو ما يسميه البعض قلق الإنجاز، فما كتبه الله عز وجل سيأتي العبد لا محالة.
رابعاً: التسليم الموجب للسعادة:
أعظم درجات الطمأنينة تتحقق بالرضا بالقضاء، والإيمان بأن الله عز وجل لا يقدر للعبد المؤمن إلا ما كان مآله خيراً له ولو كان ظاهره سيئًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم)، فالمؤمن مطمئن أن تحت الألم الذي قد يصيبه في حياته حكمة، وتحت البلاء منحة، وفي القضاء عطاء.
خامساً: علاج الأسى على الماضي:
فإن من أعظم أسباب تعاسة البشر تعلقهم بالماضي وتألمهم على ما فات، وهذا سبب للعجز والقنوط، والإيمان بالقدر يقطع هذه العلة؛ فإن ما مضى مقدر والحزن عليه لا يرده، بل يضيّع الحاضر ويقلل الكفاءة في التعاطي مع الواقع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (رواه مسلم).
سادسًا: الاطمئنان بكفالة الله للرزق:
فمن أكثر ما قد يصيب البشر الخوف من فوات الرزق، وما يتبعه من بذل الكدّ الشديد لاكتسابه، والحَزن الأكيد لخسارة شيء منه، لكن المؤمن موقن بأن رزقه ليس عليه؛ بل على الله عز وجل الذي تكفّل به، قال الله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: 6).
سابعًا: علاج القلق من المصائب غير المرئية:
وكما أن الإنسان عدو لما يجعل؛ فإنه يخاف مما لا يراه، مثل الأمراض الدقيقة والعوالم غير المرئية كدقائق الكائنات أو كالجن وما شابه، لكن المؤمن إن علم أن كل ذلك العالم هو خاضع لرب العالمين؛ فلا يتوكل إلا عليه، ولا يرجو السلامة إلا منه، ولا يتحصّن إلا بحصنه، ولما قصّ الله عز وجل على أهل الإيمان أمر السحر وكيد شياطين الجن والإنس في إيقاع بني آدم في حباله وتأثيره الفعلي في الواقع أردف ذلك بقوله عز وجل: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) (البقرة: 102)، فلا يخرج شيء عن سلطان الله عز وجل، وهو الملجأ والملاذ الذي يحمي عباده المؤمنين المعتصمين بحبله.
إن الإيمان بالقضاء والقدر ليس دعوة إلى الاستسلام والسلبية تجاه الواقع، بل هو سر الطمأنينة الذي يحرر المؤمن من القلق الوجودي ودونه والاضطراب الواقعي وما يحويه، ويمنحه سكينة لا تشبهها سكينة، ويقضي على قلق الإنجاز المؤرق بكثيرين، فعلى المسلم أن يحسن الظن بربه، ويستعن بالله ولا يعجز، ويسعى في أسباب الدنيا، ويرضى بما قسمه الله عز وجل له، فينال بذلك خيري الدنيا والآخرة.

