فقه الهجرة واللجوء المعاصر
د. مسعود صبري
فُطر الإنسان على حب وطنه والبقاء فيه، حيث أهله وعشيرته وذكرياته، فالوطن ليس قطعة أرض جامدة، إنه روح وتاريخ وحياة، ولذلك قيل: حب الأوطان من الفطرة.
لكن الإنسان قد يترك وطنه إلى وطن آخر لأسباب متعددة، وإذا كان ترك الوطن طواعية للبحث عن فرصة عمل أو دراسة أو غيرهما سمي ترك الوطن «هجرة»، أما إذا اضطر الإنسان لترك وطنه بسبب الحروب أو الاضطهاد أو غيرهما سمي ترك الوطن «لجوءاً».
وشتان بين الهجرة الطواعية واللجوء القسري، فالأول بالاختيار، ويصاحبه حال سعي وفرح، والثاني إجبار، وغالباً ما يصاحبه حزن وألم، وليس أدل على ذلك من أن المرء يبذل أموالاً ساعياً للهجرة وترك وطنه، بحثاً عن فرصة أفضل للحياة، كما أنه يختار المكان الذي يهاجر إليه، بينما اللجوء فيضطر الإنسان إليه، وربما لا يكون له كبير اختيار فيه.
وهناك مفهوم ثالث يعرف بـ«الهجرة المختلطة»، وهي التي تجمع بين رغبة الهجرة والبحث عن حياة أفضل، مع وجود دافع للجوء، هرباً من حرب أو ظلم، أو مواجهة ظروف قاسية.
حكم الهجرة
الهجرة في الاصطلاح الفقهي هي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام فراراً بالدين، وتلك هجرة قد انتهت بصورة جماعية، لكنها قد تبقى في حكم بعض الأفراد أو الجماعات، وقد ورد في الحديث: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» (رواه البخاري، ومسلم).
أما الهجرة في الاصطلاح المعاصر، وهي الانتقال من بلد لآخر، لأغراض مشروعة؛ كالبحث عن عمل أفضل، أو لأجل التعليم، أو الزواج، أو غير ذلك، فهي مشروعة، ودرجة مشروعيتها حسب نوع الغرض من الهجرة، فقد يكون مستحباً، إن كان لطلب العلم، وقد يكون مباحاً، ودليل مشروعيتها ما تقرر عند الفقهاء في قواعدهم: أن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، ويشهد لذلك كثير من الأدلة الشرعية، منها قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة: 29).
وقد تكون الهجرة حراماً، إذا ترتب عليها ضرر في الدين أو في النفس، وذلك لأن حماية الأديان والأبدان مقدمة على البقاء في الأوطان؛ لأن الأرض كلها لله، فأينما وجد الإنسان راحته وأمن على نفسه ودينه وأهله؛ فذاك وطنه.
حكم اللجوء
أما اللجوء، فله حكم آخر، ولقد عرفت اتفاقية اللاجئين لعام 1951م، وبروتوكولها لعام 1967م اللاجئ بأنه شخص لديه خوف مبرر من التعرض للاضطهاد بسبب العرق، أو الدين، أو الجنسية، أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة، أو الرأي السياسي.
وهذا اللجوء الذي يجد المرء نفسه في وطنه قد يتعرض للاعتقال أو التعذيب أو الفتنة في الدين واجب شرعاً؛ لأن حفظ الدين وحفظ النفس مقدمان على البقاء في أرض، يمكن أن يسكن غيرها، ويشهد لذلك كثير من الآيات القرآنية، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 97).
فالفتنة في الدين واجب دفعها؛ لقوله تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (العنكبوت: 56)، وقدم الله تعالى لعباده مندوحة وسعة في الأرض، ووضع القرآن تلك القاعدة الذهبية في قوله تعالى: (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ) (الزمر: 10).
ميزان المقاصد
ويشهد لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجد اضطهاد المشركين له ولأصحابه لم يتمسك بأرضه التي ولد فيها، بل أمره الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، وهاجر عشرات المئات من الصحابة والصحابيات، حتى إن كثيراً منهم تركوا أموالهم وتجارتهم ودورهم؛ فراراً بدين الله، وفراراً من الموت والاضطهاد والظلم، وهو ملمح من ملامح رعاية مقاصد الشريعة الإسلامية، فحفظ الدين والنفس مقدم على حفظ المال والأرض، والمال يغدو ويروح، والأرض تغدو وتروح، لكن الدين والنفس لا يغدوان ولا يروحان.
اللجوء أمر إنساني
ثم إن اللجوء وترك الأوطان قسراً ليس حصراً على المسلمين، فوفق إحصائية مفوضة اللاجئين بالأمم المتحدة، فإن عدد النازحين في العالم وصل إلى أكثر من 120 مليون شخص، فلا يجد المسلم حرجاً في تركه وطنه، فليس هو وحده الذي يفعل ذلك، ثم في تركه وطنه يمكن له أن يلجأ إلى أحد الأوطان في الدول الإسلامية، فإن لم يجد، ففي أي دولة يأمن فيها على نفسه وأهله وكرامته ويستطيع أن يحافظ على دينه ومعتقده ويمارس شعائره بحرية تامة، ولو في دولة غير إسلامية.
تقسيم العالم اجتهادي
وذلك أن تقسيم العالم إلى دار كفر ودار إيمان هو اجتهاد فقهي، يعود إلى طبيعة العالم قديماً، أما اليوم، فقد يجد المسلم -أحياناً- حرية التدين في بلاد غير إسلامية أفضل من بعض الدول الإسلامية، فطبيعة العالم اليوم تغيرت، ولم تعد كما كانت، نعم الأصل أن يبقى المسلم في ديار المسلمين؛ لأن البيئة تساعده على الحفاظ على دينه ونفسه وممتلكاته، فإذا تغيرت تلك المعادلة؛ ربما كان من الواجب ترك ذلك البلد إلى بلد آخر يحفظ عليه دينه ونفسه وهويته وحريته وكرامته.
وإن الكرامة الإنسانية من أهم مقاصد الشريعة للناس جميعاً مسلمهم وكافرهم، كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70)، فأينما وجدت الكرامة الإنسانية؛ وجد الإنسان حريته، واستطاع تطبيق الاستخلاف في الأرض وعمارتها وفق المصالح الشرعية والإنسانية.
حماقة البقاء مع الاضطهاد
وإن من الحماقة أن يبقى المرء في بلد يضيق فيه على دينه، وينال فيه من نفسه وكرامته تحت دعوى الوطنية، فالأرض كلها وطن المسلم، والفرار بالدين والنفس من الفطرة التي جبل الإنسان عليها مسلماً كان أو كافراً، وإن الاضطهاد والظلم لا دين له، ولهذا كان الاضطهاد وظلم الناس من كبائر الذنوب وعظائم المحرمات، ثم إن ترك الأوطان لتلك الأسباب لا يعني أن يكره الإنسان وطنه، أو أن يبقى أبد الدهر خارجه، بل هي هجرة مؤقتة، تزول مع زوال أسبابها، وتغير الأحوال إلى الأحسن.
كما لا يعني هذا أن تكون الهجرة مطلقة، فرغم الأمر بالهجرة من مكة إلى المدينة لم يهاجر كل المسلمين، بل بقي بعضهم خفية لا يعلم أمرهم، وهو ما يفهم من قوله سبحانه: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الفتح: 25)، وإنما حرم الله تعالى على المهاجرين العودة إلى مكة؛ لأنها أصبحت أرض الإسلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية».
الرؤية الشرعية للجوء
واللجوء أحد المفاهيم التي يتبناها الإنسان في أحكامه وتشريعاته، وهو ما عرف بـ«طلب الأمان»، لأي إنسان كائناً من كان ولو كان غير مسلم، فالشريعة تولي اهتماماً خاصاً للفئات المستضعفة، وذلك من واجبات السياسة الشرعية حفظ الأمن في البلاد ونشره، حتى يأمن الناس مسلمهم وكافرهم على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فلا يمس أحدهم بأذى، ولا يؤخذون بغير ذنب أو جريمة، ولهذا جاء في الحديث: «كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه»، وقرر العقد الاجتماعي بينهم فقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم للمسلم كالبنيان، يشد بعضه بعضاً» (رواه البخاري).
نظرية الحقوق في الفقه
وأقر الإسلام نظرية الحقوق في المجتمع المسلم، فحفظ لكل مواطن في بلده حق الحياة والأمان وحرمة الاعتداء عليه، كما قرر حق الملكية، وقرر حق العمل والاكتساب، وجعل خير الكسب ما يأكله الإنسان من عمل يده، وقرر حق الاعتقاد، كما قال سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256).
حرمة الإعادة القسرية
ومن المبادئ المعاصرة التي كفلها الإسلام للإنسان مبدأ «عدم الإعادة القسرية»، وهو مبدأ يعد حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين، وهو مبدأ مقرر في الفقه الإسلامي، حيث يحظر رد من طلب الأمان في ديار الإسلام، لأنه يخشى على نفسه، وقد توج ذلك حديثاً بإعلان القاهرة لحماية اللاجئين والمشردين في العالم العربي، وهو ما يتماشى مع مبادئ الفقه الإسلامي، حيث يحرم على أي دولة دخلها الإنسان بتأشيرة منحت له أن يسلم لأي دولة مالم يرتكب جرائم حقيقية توجب محاسبته وفق مبادئ الحق والعدل، وليس قضايا ملفقة، كقضايا الرأي والحريات.
والخلاصة أن الهجرة فعل طوعي لمصالح مشروعة، واللجوء اضطرار قد يكون واجباً حفاظاً على الدين والنفس والكرامة، وهو لا يصادم الوطنية؛ إذ قد يكون مؤقتاً، كما أن حفظ النفس مقدم على الأرض، وإن الإسلام قد أقر تلك المبادئ العادلة قبل مواثيق حقوق الإنسان، كما أنه لم يميز في تلك الحقوق بين مسلم وكافر، فهي مكفولة لكل إنسان.

