متفرقات

محاورة غير المسلم بالقرآن

د. إسماعيل محمد رفعت

يظن بعض من يتصدى لمحاورة غير المسلمين أن القرآن الكريم والسُّنة النبوية لا يصلحان للاستشهاد بهما في هذا المقام، مستندين إلى أن القرآن خطاب للمؤمنين أساسًا، وأن غير المسلمين لا يصدقون به، فلا يمكن إقناعهم إلا بالعقل بوصفه القاسم المشترك الوحيد بين الفريقين، وهذا التصور -وإن كان ظاهره الاحتياط للمنهج- فهو في حقيقته خطأ منهجي كبير، سنبينه في هذه السطور.

المناظرة بغير أصول أشد من الجراحة بلا طب

المناظرة علم قائم بذاته، له ضوابطه وأصوله وآدابه، ومن يخوض فيها بغير إلمام بوسائلها وأساليبها فهو كمن يمارس الجراحة دون دراسة الطب، بل ربما كان أشد خطرًا؛ لأن الجراحة إن أخطأت أتلفت بدنًا، وهذه إن أخطأت أتلفت إيمانًا، والضرر اللاحق بالإيمان أثره أخطر من أي ضرر لاحق بالأبدان، فبديهي أن مرض الأبدان نهايته الموت، أما اعتلال القلب بعلة في الإيمان تدخل مع الإنسان القبر وتنهي به إلى العذاب المقيم والعياذ بالله تعالى.

صلاحية الخطاب القرآني لغير المسلمين

1- القرآن الكريم يخاطب جميع أهل الأهواء ويدحض شبههم:

والقرآن تعرض لدحض شبه جميع الفرق الباطلة؛ الوثنيين، والدهريين (الملاحدة)، واليهود، والنصارى، وأصحاب المذاهب الهدامة قديمها وحديثها، حتى البدع التي ظهرت بعد القرون الأولى، قال الإمام الشعبي (21 – 103هـ): «ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها»(1) عن مسروق بن الأجدع، قال: «مَا نَسْأَلُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَعِلْمُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ عِلْمُنَا قَصَّرَ عَنْهُ»(2).

وتأمل قوله تعالى: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰؤُلَاءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ) (هود: 109)، فهذا رد على كل مبتدع بأنه لم يأتِ في الغواية بأمر مستجد، وإنما هو مقلد لسابقيه.

2- أمر إلهي صريح بمجادلتهم بالقرآن:

قال الله لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأمته من بعده: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (الفرقان: 52)، وعائد الضمير في «به» هو القرآن، كما يدل عليه سياق السورة، فالله لم يقل: «جادلهم بالعقل فقط»، بل أمر بالجهاد بهذا الكتاب، وسماها «جهادًا كبيرًا»، ولا يقل عن جهاد القتال في وقعه وأثره.

3- العقل بلا وحي يضل والقرآن يهديه:

ما يسميه البعض «عقلًا مجردًا» ليس محايدًا، بل هو أسير الهوى إذا لم يستنر بالوحي، قال تعالى: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) (القصص: 50).

شواهد واقعية على تأثير القرآن في قلوب غير المسلمين

1- قصة رجل ألماني سكران:

حوالي عام 1427هـ، كنت راكبًا حافلة في ألمانيا وإلى جواري رجل ثمل، وأنا أستمع للقرآن بتلاوة والدي رحمه الله، فطلب مني جاري أن يسمع «الأغنية» التي أسمعها (هكذا قال)، فلما أسمعته قال بعجب: «هذا الفنان يغني من قلبه لا من لسانه، وأول مرة أسمع بقلبي!»، فقلت: هذا قرآن وليس غناء، فقال: «قرآن مقدس»، فهذه شهادة من قلب لم يكن يعرف العربية ولا الإسلام، لكن القرآن وصل إلى فطرته رغم سكره، وصدق الله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) (التوبة: 6).

2- شهادة الداعية الألماني أبي أنس محمد إسلام:

يقول حفظه الله: «القرآن كلام الله؛ لذا فهو له وقع على القلوب غريب وعجيب، حتى للذين لا يفهمون العربية؛ فإن إيقاع القرآن يهز الوجدان، ولو لم يُفهم معناه، ولما أسلمت كنت شغوفًا بالقرآن حتى قبل أن أتعلم العربية».

فقد جرى هذا الحديث بيننا أثناء أحد المؤتمرات، واليوم هو يتحدث العربية بفصاحة تشعرك أنه قرشي من عصر الاحتجاج اللغوي! وهذا أكبر دليل أن القرآن يهدي القلوب قبل أن يفهم بالعقل المجرد.

3- مع مُنصِّر ألماني:

جمعني مجلس بمنصِّر ألماني قال لي: تنصَّرَ على يديَّ 400 مسلم سابق، وتركته يتكلم، ثم قلت له: «كيف لي أن أعبد عيسى ‌عَلَيْهِ ‌السَّلَامُ وهو مَنْ إن جاع ولم يأكل مات، وإن أكل احتاج إلى التخلي والمرحاض؟!»، فلم يجد جوابًا، بل قال: «هذا كلام يستحق الدراسة»، وهذه الحجة مأخوذة من آية واحدة: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) (المائدة: 75)، والإشارة إلى ما يلزم الطعام من قضاء حاجة أبلغ من التصريح به أدبًا وتحديًا.

رابعًا: استخراج الجدال من القرآن:

من لطيف الإشارة أن الفقيه المؤرخ عبدالرحمن بن نجم الجزري الحنبلي (554 – 634هـ) الذي حضر فتح القدس مع صلاح الدين الأيوبي (535 – 589هـ)، ألَّف كتابًا بعنوان «استخراج الجدال من القرآن» في مقدمته يقول: «المذهب الذي يرسخ ولا ينسخ، ويعلو فرعه ويشمخ، ما كان مجناه من حبات القلوب، وسقياها من الشراب الطهور المنقى من العيوب» ثم استدل بقوله تعالى: (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42)، فهذا إمام مجاهد وفقيه يعلمنا أن القرآن السلاح الأجدى والأكبر.

أولًا وأخيرًا القرآن سلاح أقوى

القول بأن القرآن لا يصلح لمحاورة غير المسلمين تجريد للإسلام من أقوى أسلحته، وتفريغ للقرآن من محتواه، والمبطلون يتمنون لو تخلينا عن الوحي وركنَّا إلى العقل المفصول عن النور الإلهي؛ لأن ذلك العقل يضل ويغوى، لكن من ذاق حلاوة القرآن وعرف أنه كلام خالق القلوب، أيقن أنه لا يخاطب الأسماع فقط، بل يمس القلوب قبل أن يصل إلى الأذهان، فاستمسك بالوحي، واجعل القرآن حجتك، وتعلم كيف تستنطقه، تجده دامغًا لكل شبهة، هاديًا لكل حائر، أما استبعاد القرآن من الميدان فأمنية ود الشيطان لو فاز بها.

الهوامش
  • 1 ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل (5/ 57). 
  • 2 فضائل القرآن، أبو عبيد، ص96. ابن تيمية، مجموع الفتاوى (5/ 38)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *