الطائفية تمنعُ افتتاح مركز دامج لإيواء المُعوّقين!
عندما تركت السلطة السياسية النازحين عموماً، والمعوّقين منهم خصوصاً، لمصيرهم، وجد «تحالف منظّمات الإعاقة في لبنان» أن «السوق المركزي للخُضر والفواكه» المهجور في أرض جلول، منذ عام 2019، والمملوك من بلدية بيروت، يصلح ليكون مركزاً نموذجياً للنازحين المُعوّقين، بناءً على مواصفاته الهندسية الدامجة. وما كاد التحالف يصارح محافظ بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية بفكرته، حتى «سنّت الدولة أسنانها» للاستيلاء عليه، فسارع زيرا الصناعة والزراعة ونقابة المزارعين لإعادة تشغيل السوق في هذه «الحَشرة».
أثار ذلك استياء النازحين المُعوّقين والجمعيات المعنية بالإعاقة، فنظّموا أمس اعتصاماً أمام المركز، مطالبين بافتتاحه فوراً لأنه «لن يضرّ المصلحة العامة تأجيل استخدام المبنى كسوق للخُضر لبضعة أشهر إذا كان ذلك سينقذ مئات الأرواح»، وفقاً لبيان رئيسة «الاتحاد اللبناني للأشخاص المُعوّقين حركياً»، سيلفانا اللقيس. كما طالبت بـ«اعتماد مركز نموذجي في كلّ قضاء خالٍ من العوائق، لاستقبال النازحين المُعوّقين وكبار السن».
في التفاصيل، قام الاتحاد بكشف ميداني تقني على المراكز التي تقع في مناطق آمنة نسبياً ويمكن اعتمادها مراكز نزوح مؤقّتة. وتبيّن أن «مبنى سوق الخُضر والفواكه مناسب من حيث المدخل، والمراحيض وتوفّر المصعد الكهربائي، ويحتاج فقط إلى تعديلات بسيطة إلى جانب تنظيفه ومدّه بالكهرباء»، كما توضح فرح الشيخ علي، المتخصّصة في العلاج الانشغالي ومستشارة الدمج في الاتحاد، التي زارت المبنى وشاركت في وضع تقرير تقييمه.
ثلاثة آلاف مُعوّق في مراكز إيواء غير مُجهّزة، والغالبية بقيت في الأماكن الخطرة
وهذا المبنى «المُتنازع عليه» يمكنه استيعاب 140 نازحاً مُعوّقاً مع عائلاتهم، ويؤمّن لهم، أولاً، الحماية من مخاطر الحرب، ولا سيما أن معظم المُعوّقين فضّلوا البقاء في المناطق المُهدّدة لغياب أماكن مُجهّزة لاستقبالهم. وثانياً، يؤمّن لهم الوقاية من المخاطر التي يتعرّض لها نحو ثلاثة آلاف مُعوّق نتيجة وجودهم في مراكز إيواء غير مُجهّزة.
لماذا كل هذا التعنّت إذاً؟ يدحض الناشط في مجال الإعاقة جهاد إسماعيل أي حجج حول ضعف الإمكانات المادية. ويشير إلى أنهم أبدوا «منذ البداية استعداداً لتقديم الدعم اللازم من منظمات دولية معنية بشؤون المُعوّقين لتجهيز المركز»، مشدّداً على أن ما يطالبون به هو «مركز إيواء غير دائم، وليس للعزل». رغم ذلك، لم توافق الجهات المعنية. والسبب، كما سمعت اللقيس، «عدم الرغبة في إعطاء منطقة سنّية للنازحين الشيعة»، علماً أن قضية المُعوّقين «لطالما كانت وطنية، وتنادي بالمساواة».
يُذكر أن رئيس «نقابة تجار الخُضر والفواكه بالمُفرَّق»، سهيل المعبي، كان قد اقتحم الاعتصام أمس، وهو يصرخ: «هذا مال أهل بيروت، والمركز مشروع اقتصادي تابع لبلدية بيروت»، قبل أن يطالب النازحين باللجوء إلى «المدينة الرياضية». ولم يبدِ المعبي اهتماماً بأن المُنشأة تراعي احتياجات المُعوّقين، معتبراً أن تأمين مكان مناسب لهم هو مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية. وفي تصريح لـ«الأخبار»، أبدى المعبي تخوّفه من «تحوّل إيواء مؤقّت إلى دائم، وأن يذهب ضحيته ابن المنطقة الذي سيأتي من ينافسه على رزقه».
بذلك، ينضم هذا الملف إلى غيره من الملفات الإنسانية التي وُظّفت سياسياً وطائفياً خلال أزمة النزوح، كما حصل، مثلاً، مع مشروع افتتاح مركز إيواء للنازحين في الكرنتينا. غير أن هذه المرة، الضحية هي الفئة الأكثر هشاشة بين النازحين أنفسهم، وهي المعوّقون، الذين يزيد أعدادهم مع زيادة التهجير من القرى الجنوبية.
زينب حمود

