مقالات

سد النهضة والتهجير… مؤامرة إسرائيلية لإعادة رسم خريطة المنطقة

زياد فرحان المجالي

في زمن الماء يتحوّل إلى سلاح، تُرسم خرائط جديدة بالابتزاز والعطش. غزة على خط التهجير، ومصر على حافة العطش… والمخطط واحد.

لم تعد المؤامرة سرًا. الصحافة العبرية نفسها تكشف أن غزة لم تعد مجرد جبهة حرب، بل ورقة مقايضة في صفقات دولية قذرة. العبارة التي نُشرت تقول: إسرائيل تبحث مع قوى دولية إمكانية مقايضة المياه والكهرباء بتهجير سكان غزة نحو سيناء.

هذه ليست مجرد فكرة عابرة، بل مشروع متكامل: ابتزاز بالماء مقابل تهجير الفلسطيني، واستثمار لأزمة الطاقة لتصفية القضية. هكذا يتحول الحق الفلسطيني إلى رقم في معادلات دولية، ويُستبدل الوطن بقطرة ماء.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قالها علنًا: تهجير الفلسطينيين إلى سيناء خط أحمر. لكن إسرائيل قرأت جملة أخرى في خطابه: مصر مستعدة للتعاون في قضايا المياه إذا وُجدت حلول عادلة. هنا يصبح المشهد واضحًا: العلن رفض قاطع، والمؤامرة محاولة إسرائيلية لفتح باب الابتزاز.

تهجير على مرحلتين

من سيناء يبدأ السيناريو، لكن الخطة لا تتوقف عندها. فالتقارير الإسرائيلية تتحدث عن مرحلتين:

الأولى: فتح ممرات نحو سيناء لاستيعاب عشرات الآلاف من الغزيين بشكل مؤقت.

الثانية: توزيعهم لاحقًا على دول تُسوّق كملاذات إنسانية.

ليبيا الغارقة في الفوضى، الصومال الممزق، جنوب السودان الذي لم يستقر منذ استقلاله، أوغندا التي طالما استُخدمت لمشاريع مشابهة، وحتى إندونيسيا البعيدة جغرافيًا. كلها تُذكر كخيارات بديلة، ليس لقدرتها على الاستيعاب، بل لضعفها الذي يجعلها مخازن بشرية بعيدة عن فلسطين.

المشهد إذن لا يقتصر على سيناء، بل هو نسخة جديدة من نكبة 1948، بأدوات دبلوماسية وغطاء دولي.

سد النهضة: وجه آخر للمؤامرة

ومع ملف التهجير يطل سد النهضة الإثيوبي كوجه آخر للمخطط. إسرائيل لم تكن يومًا بعيدة عن هذا المشروع. فمنذ خمسينيات القرن الماضي سعت لاختراق إثيوبيا، وزارت غولدا مائير أديس أبابا أربع مرات لتثبيت موطئ قدم صهيوني عند منابع النيل.

ومع فشل مشاريعها السابقة مثل مشروع منتزل وقناة السلام، وجدت في السد فرصة تاريخية. إثيوبيا لم تكن عصية الاختراق كما يظن البعض، بل كانت الأسهل، لأنها كانت في أمس الحاجة إلى دعم خارجي، فاستغلت إسرائيل والولايات المتحدة ذلك لتكريس نفوذهما.

هكذا أصبح السد ورقة مزدوجة: خنق مصر مائيًا ودفعها لتنازلات، وربط أي حلّ بمصالح إسرائيل. أما واشنطن فتغطي هذا التوجه تحت شعار الوساطة، بينما هي تمارس ابتزازًا صامتًا لتقييد القرار المصري.

مياه التوراة وحدود الدم

ولا يقف الاهتمام الإسرائيلي عند حدود النيل. فالمياه جزء من عقيدة توسعية تستند إلى نص توراتي صريح: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر العظيم نهر الفرات.

هذا النص منح المشروع الصهيوني غطاءً دينيًا، وحوّل السيطرة على منابع المياه إلى هدف استراتيجي. وحين فشلت قناة السلام التي كان يُفترض أن تنقل مياه النيل إلى النقب عبر سيناء، تحوّل التركيز إلى إثيوبيا باعتبارها الساحة الأسهل والأكثر تأثيرًا على مصر. من هنا نفهم إصرار إسرائيل على التموضع عند منابع النيل، وربط مياه الحياة في مصر بمشروعها الإقليمي.

البحر الأحمر والقرن الأفريقي

لكن الصورة لا تكتمل من دون البحر. ففي 1996 أبرمت إسرائيل اتفاقًا استراتيجيًا مع إثيوبيا وحلفاء في القرن الأفريقي، لتأمين وجودها الدائم في البحر الأحمر. الهدف كان منع العرب من إحكام السيطرة على باب المندب، وقطع الطريق على أي تكتل يهددها.

ومن أجل ذلك استثمرت في بناء ثلاث غواصات نووية ألمانية الصنع، أداة لم تكن ترفًا عسكريًا بقدر ما كانت وسيلة لفرض الهيمنة على البحر الأحمر والمتوسط معًا، ولضمان السيطرة على القرن الأفريقي حيث تمر طرق التجارة والطاقة.

وعلى الضفة الأخرى جاء دعم إسرائيل لانفصال جنوب السودان عام 2011 ليكمل الحصار. فالدولة الوليدة منحتها موطئ قدم جديدًا على منابع النيل الأبيض، وأضافت حلقة أخرى من حلقات الضغط على مصر. وهكذا وجدت القاهرة نفسها بين كماشة: إثيوبيا في الشمال، وجنوب السودان في الجنوب، والضغط الدولي من كل الجهات.

غزة إنذار… ومصر الهدف

الخطة إذن بوجهين متلازمين:

وجه أول لتفريغ غزة من أهلها وتوزيعهم بعيدًا عن أرضهم.

وجه ثانٍ لتجفيف مصر مائيًا حتى تُجبر على الرضوخ.

وبينهما تطويق للعرب في البحر الأحمر والقرن الأفريقي حتى تُقطع شرايينهم الاستراتيجية. وحتى المشاريع التي فشلت سابقًا مثل قناة السلام، تبقى شاهدة على إصرار إسرائيلي لا يهدأ في البحث عن بدائل تمكنه من التحكم في منابع النيل.

غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب. هي جرس إنذار. فالمشروع يتجاوزها ليضرب مصر في عمقها، وليجعل العرب جميعًا أمام لحظة واحدة. غزة التي صمدت اثنين وعشرين شهرًا تحت النار تواجه حصارًا يشبه حصار مصر بالماء.

الخطة ليست فصلًا بين جبهتين، بل مشهدًا واحدًا يراد له أن يكتمل: تهجير الفلسطيني وتجويع مصر مائيًا، وفرض شرق أوسط جديد على أنقاض الشعوب.

كلمة أخيرة

التاريخ لن يرحم، وغزة لن تغفر. ومن يتهاون في قضيته اليوم، سيكتب تاريخه بأقلام الآخرين، وعلى أنقاض وطن كان يجب أن يبقى.

كاتب اردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *