ترامب يتّجه إلى الصين «المستعدة» لخوض المعركة
سيكون السلام والاستقرار الرسالة العلنية، عندما يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين هذا الأسبوع. لكن خلف العبارات الديبلوماسية المنمقة، يستعدّ البلدان بهدوء لشيء أكثر قسوة – حرب اقتصادية طويلة الأمد، عبر تحديد نقاط الضعف وصقل الأدوات القادرة على إلحاق الضرر بالطرف الآخر.
في الأسابيع الأخيرة، أوضحت الصين أنّها لم تعُد تخشى تصعيداً جديداً. فقد لجأت إلى آلية قانونية جديدة لمواجهة العقوبات الأميركية. ومنعت استحواذ شركة «ميتا» على شركة ناشئة واعدة في مجال الذكاء الاصطناعي تأسست في الصين. كما أقرّت قواعد تهدف إلى معاقبة الشركات الأجنبية التي تمتثل للجهود الغربية الرامية إلى تقليص الانخراط مع الصين.
وتأتي هذه الخطوات ضمن حملة أوسع، تقودها بكين، للتصدّي لما تعتبره جهوداً أميركية متصاعدة لكبح اقتصادها وصعودها التكنولوجي. وعلى مدى العام الماضي، صعّد البلدان هجماتهما الاقتصادية، ففرض كل منهما تعريفات جمركية مرتفعة على الآخر، وقيّد تدفّق المعادن النادرة والتقنيات الحيوية، وفرض عقوبات على شركات صناعية كبرى.
حماوة لعبة الردّ بالمثل
وسيكون مدى قدرة شي وترامب على الاتفاق حتى على وضع ضوابط محدودة لاستخدام أسلحتهما الاقتصادية المتوسعة، اختباراً حاسماً لمعرفة ما إذا كان اجتماعهما سيُعتبر ناجحاً. لكن ما بدأ كلعبة ردّ بالمثل تصاعد تدريجياً، ممتداً عبر سلاسل التوريد العالمية، ومخلّفاً دولاً وشركات تسارع إلى احتواء التداعيات. وبعد سنوات من الاكتفاء بردود الفعل، بدأت الصين تستهدف الكيانات التي تمتثل للعقوبات التي تفرضها واشنطن.
إما الولايات المتحدة أو الصين؟
ويتمثل القلق المتزايد في أن يستخدم البلدان أنظمتهما التنظيمية المتوسعة كأدوات ضغط اقتصادية، بما يجرّ دولاً وشركات أخرى إلى ساحة الصراع. ويحذّر قادة الأعمال والخبراء من أنّ القوّتَين العظميَين تدفعان العالم بصورة متزايدة إلى اختيار أحد الجانبَين: الصين أو الولايات المتحدة. وفي نيسان، أعلنت بكين قواعد واسعة تمنح الجهات التنظيمية صلاحية التحقيق في سجلّات الشركات، استجواب الموظفين، ومنع الشركات أو المديرين التنفيذيِّين من مغادرة الصين إذا تبيّن أنّهم يساعدون في نقل سلاسل التوريد إلى خارج البلاد.
كما تفتح هذه القواعد جبهة جديدة في المعارك التجارية، كانت بكين قد لمّحت إليها في عام 2024 بعدما أوقفت شركة «بي في إتش»، المالكة لعلامتَي «كالفن كلاين» و»تومي هيلفيغر»، شراء القطن من شينجيانغ، الإقليم الواقع في غرب الصين. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت حظراً على استيراد القطن من شينجيانغ بسبب ارتباطه بالعمل القسري. واتهمت الصين شركة «بي في إتش» بالتمييز، وفتحت تحقيقاً معها، ثم أدرجتها في نهاية المطاف على «قائمة الكيانات غير الموثوقة»، وهو تصنيف قد يترتب عليه تبعات قانونية، من بينها فرض قيود على مغادرة المديرين التنفيذيِّين للبلاد.
ولم يعُد الأمر يبدو وكأنّه حالة انتقام معزولة. وأوضح شون شتاين، رئيس مجلس الأعمال الأميركي – الصيني: «إنّه يطرح في الوقت نفسه خطراً ومعضلة: هل ستخرق قانوننا أم القانون الأميركي؟».
الرسوم تُشعل «موقداً حارقاً»
وقد تسارع التحوُّل في النهج التنظيمي الصيني العام الماضي، بعد سلسلة من الخطوات العدائية التي اتخذتها واشنطن، من بينها رفع الرسوم الجمركية إلى 145%، وفرض رسوم على السفن الصينية في الموانئ الأميركية، وفرض قيود على تقنيات حيوية مثل أشباه الموصلات والمواد الكيميائية والآلات. وشرح شتاين، ملخّصاً وجهة النظر الصينية: «لقد أصبح الأمر الآن أشبه بمنهج الموقد الساخن: علينا أن نظهر أنّه عندما تتخذ الولايات المتحدة إجراءً ما، فإنّها ستلمس موقداً ساخناً وتحترق».
ويعني هذا النهج تفعيل أسلحة تنظيمية جديدة، كما فعلت بكين هذا الشهر، بعدما فرضت واشنطن عقوبات على 5 مصافٍ صينية بسبب علاقاتها مع إيران. إذ أمرت الصين هذه الشركات بتحدّي العقوبات، مستندة إلى إجراء حظر أقرّته عام 2021 لحماية الشركات من القوانين الأجنبية التي تعارضها.
واحتفت وسائل الإعلام الصينية الخاضعة لسيطرة الدولة بهذه الخطوة بوصفها «خطوة محورية في انتقال الصين من بناء احتياطي قانوني إلى التطبيق العملي لسلاحها القانوني المرتبط بالشؤون الخارجية»، وقدّمتها على أنّها موقف في مواجهة الهيمنة الأميركية باسم العالم.
وجاء في تعليق نشرته صحيفة «الشعب اليومية»، أكبر صحيفة يومية في الصين والناطقة باسم الحزب الشيوعي الحاكم، أنّ الولايات المتحدة «تلوّح بعصا العقوبات ضدّ شركات صينية ملتزمة بالقانون، منتهكةً بشدة حقوق الأعمال الصينية». وتُعدّ المصافي الخمس، ومن بينها مصفاة «هينغلي للبتروكيماويات»، إحدى أكبر المصافي الخاصة في الصين، من أكبر مشتري النفط الإيراني الخاضع للقيود، كما تشكّل عنصراً محورياً في السياسة الصناعية الصينية.
القومية الاقتصادية الأميركية تهدّد الأمن القومي الصيني
وباتت الحكومة الصينية تنظر إلى القومية الاقتصادية الأميركية والنزعة الحمائية التجارية باعتبارهما جزءاً من اتجاه طويل الأمد يهدّد الاقتصاد الصيني والأمن القومي.
ولمنع حدوث ركود اقتصادي حاد سبّبته أزمة العقارات، دعمت بكين قطاع التصنيع من خلال الإعانات والمزايا الضريبية، ما أدّى إلى امتلاك الصين فائضاً تجارياً ضخماً ومتزايداً مع معظم دول العالم.
وأوضح وو شينبو، مدير مركز الدراسات الأميركية في جامعة فودان في شنغهاي، أنّ العقوبات والقيود «ستشّكل خطراً جسيماً على أمن سلسلة التوريد الصينية، ولذلك تحتاج الصين إلى التعامل مع هذا التحدّي بطريقة أكثر منهجية، ليس فقط من أجل تحديد التهديدات المحتملة وتوفير إنذار مبكر بشأنها، بل أيضاً للتعامل مع هذا التهديد عندما يكون قد وقع بالفعل. تحتاج الصين إلى إنشاء إطار قانوني للتعامل مع هذه الأنواع من التحدّيات على المدى الطويل».
ألكسندرا ستيفنسون ومورفي تشاو

