مقالات

هل تصعّد دمشق موقفها من تل أبيب؟

جاء توغل دوريات الاحتلال الإسرائيلي الثلاثاء الماضي في محيط بلدات جبا وخان أرنبة وعين نورية بريف القنيطرة، ونصب حواجز عسكرية عند المدخل الشرقي لخان أرنبة، وما تخلل ذلك من إطلاق الجنود النار على مدنيين حاولوا الاعتراض على وجود الدورية عبر رشقها بالحجارة، ما أدى إلى إصابة ثلاثة منهم، في سياق متواصل من الاعتداءات والاستفزازات الإسرائيلية منذ سقوط النظام السابق في سورية قبل عام. غير أن الجديد فيه أنه يأتي بعد حادثة بيت جن بريف دمشق الغربي، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في الجانب السوري، إضافة إلى إصابة عدد من جنود وضباط قوات الاحتلال. كما يأتي في خضم الاحتفالات السورية بالذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، والتي تضمنت عروضاً عسكرية واسعة فسرت بأنها تشتمل على رسائل لإسرائيل بأن لدى دمشق خيارات أخرى للتعامل مع استفزازاتها المتكررة للجانب السوري.

ونصبت دوريات الاحتلال خلال توغلها الثلاثاء الماضي ثلاثة حواجز حول بلدة خان أرنبة، أحدها على “أوتوستراد السلام” الواصل بين دمشق والقنيطرة. وتزامن وجود الحاجز مع مرور رتل تابع لوزارة الداخلية السورية كان عائداً من دمشق بعد مشاركته في احتفالات التحرير، دون أي احتكاك بين الطرفين. وردد عناصر الرتل السوري خلال مرورهم على الحاجز شعارات دينية، في ما يعتبر أول اقتراب مباشر بين القوات الحكومية من الجانبين. وفي اليوم نفسه، تضمنت الاحتفالات بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد عروضاً عسكرية في بعض المحافظات، أكبرها الذي جرى في العاصمة دمشق وحضره الرئيس أحمد الشرع وشارك فيه آلاف الجنود السوريين، إضافة إلى مروحيات وطائرات مسيّرة، وهو ما اعتبره البعض رسائل قوة موجهة لإسرائيل، خصوصاً مع الهتافات التي رددها الجنود خلال العرض، والتي تشير إلى التضامن مع غزة والمواجهة مع إسرائيل.

أحمد المسالمة: أميركا حذرت إسرائيل من أن استمرار العمليات قد يدفع سورية إلى مواقف أكثر تشدداً


وذكرت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي أن الجنود السوريين رددوا في مسيرهم العسكري عبارات عدائية ضد إسرائيل، ويستخدمون كلمة “العدو” للإشارة إليها. ونقلت عن مسؤولين أمنيين لم تحدد صفتهم قولهم إنه جرت مناقشات داخل المؤسسة العسكرية، بمشاركة مسؤولين كبار، لبحث دلالات الفيديوهات التي ظهر بها الجنود. وتوقعت أن تتخذ إسرائيل خطوات، بما في ذلك بعث “رسائل قوية” بهذا الشأن إلى الجانب السوري، وطالبته بإدانة هذا التصرف. من جانبه، كتب وزير الشتات في حكومة الاحتلال الإسرائيلي عميحاي شيكلي على منصة إكس، مساء الثلاثاء الماضي، معلقاً على ذلك بقوله: “الحرب مع سورية باتت حتمية”.

وفي هذا السياق أيضاً، قال الناشط السوري المقيم في الولايات المتحدة عبد الحفيظ شرف إن بعض أعضاء الكونغرس الأميركي تداولوا فيديوهات تضمنت هتافات اعتبرت غير مناسبة في العرض العسكري في يوم التحرير، ذكر بعضها غزة. وأوضح شرف، في منشور على “فيسبوك”، أن بعض النواب قرروا عدم التصويت لصالح ميزانية وزارة الدفاع وإلغاء قانون قيصر “لكنهم ما زالوا أقلية، وإن شاء الله لا تأثير لموقفهم على نتائج التصويت”. ولفت شرف إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اجتمع مع النائب الأميركي براين ماست في لقاء تم ترتيبه على عجل بعد تلك الهتافات، والضغط كبير جداً لإجراء تغييرات في اللحظات الأخيرة على مشروع القانون المتضمن إلغاء قانون قيصر، مستبعداً أن ينجح ذلك من الناحية اللوجستية.

كما أشار الناشط السوري محمد علاء غانم، في تعليق مماثل، إلى أن مكاتبَ الكونغرس الأميركي “تداولت للأسف رسالة على نطاق واسع بعثها أحد أعضاء الكونغرس إلى زملائه، وفيها مقطع فيديو لعرض عسكري في دمشق بمناسبة عيد التحرير يظهر فيه جنود تابعون للقوات الحكومية السورية وهم يهتفون لغزة، مرفقاً بمقطع آخر لعرض مظلي في سماء دمشق في اليوم ذاته. وقد ورد في الرسالة، التي كتبها العضو المستاء من إلغاء قانون قيصر إلغاءً غير مشروط، قوله: “في حين نرفع العقوبات عن الجولاني (الشرع) إليكم ما يفعله الجولاني”، مدعياً أن الحكومة السورية تؤيد حركة حماس وأحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ولفت غانم إلى أن الفيديوهات نفسها وصلت لأعضاء كونغرس آخرين من أطراف إسرائيلية، لا سيما الأعضاء المتعاطفين مع سورية، مشيراً إلى أن بعض أعضاء الكونغرس المستائين من إلغاء قانون قيصر ينوون عدم التصويت على مشروع الموازنة بسبب احتوائه على بند الإلغاء، إلا أن ذلك لن يؤثّر في إجازة المشروع أو المادة نظراً لقلة عددهم، وفق قوله.

استبعاد تأثر السياسة الأميركية

من جانبه، استبعد المحلل السياسي أحمد المسالمة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن يكون لهذه المقاطع تأثير في رسم السياسة الأميركية تجاه سورية والمنطقة، رغم تأثيرها السلبي الوقتي. وقال المسالمة إن التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب تعكس تحولاً لافتاً في نظرة واشنطن إلى سورية بوصفها ليست مجرد دولة هامشية أو ساحة صراع، بل دولة ارتكاز إقليمي قادرة على التأثير في الاستقرار العام للمنطقة. وأشار إلى أن هذا التحول لا يقتصر على الخطاب، بل يظهر في الاتصالات السياسية والتحركات الدبلوماسية، وفي طريقة تعامل واشنطن مع دمشق وتل أبيب. ولفت إلى تصريح ترامب الأخير بشأن سورية، الذي حث فيه إسرائيل على التمسك بحوار قوي وحقيقي مع دمشق، مؤكداً أن واشنطن راضية عن النتائج التي تحققت في سورية، ومجدداً دعم بلاده لجهود “بناء دولة حقيقية ومزدهرة”.

في المقابل، تعمل الحكومة السورية على ترسيخ مواقفها الحاسمة في هذا الملف، وتتضمن عدم التنازل عن أي شبر من الأراضي المحتلة، وعاجلاً الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط النظام، والتمسك بالوسائل الدبلوماسية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، ومواصلة الالتزام بضبط النفس والتواصل مع الحلفاء لاحتواء التصعيد. ولفت المسالمة إلى أن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل، وفق مصادر إعلامية، التوقف عن الاعتداء على الأراضي السورية، محذرة من أن استمرار العمليات قد يدفع دمشق إلى مواقف أكثر تشدداً، معتبراً أن ذلك يعكس حرص واشنطن على حماية مسار التهدئة ومنع أي تصعيد يعطل رؤيتها لسورية باعتبارها دولة ارتكاز، مع إبقاء خطوط التواصل مفتوحة بين دمشق وتل أبيب. ولاحظ المسالمة وجود تغيير ما في الموقف الإسرائيلي لجهة عدم الاعتراض على وجود قاعدة أميركية قرب دمشق، وعدم استبعاد التوصل الى اتفاق أمني بين إسرائيل وسورية.

كيفية تعامل دمشق مع تل أبيب

وحول طريقة تعامل الحكومة السورية مع الاعتداءات الإسرائيلية، وهل هي ناجحة أم تحتاج إلى تعديل وتطوير، رأى الباحث في مركز “جسور للدراسات” رشيد حوراني أن الحكومة السورية تتعامل مع إسرائيل وفق عدة مستويات: الأول الدبلوماسية من خلال الانفتاح عن طريق أميركا لتوقيع اتفاق أمني، والثاني التلويح بأن الاعتداءات الإسرائيلية لا يمكن أن تبقى من دون رد شعبي ورسمي.

رشيد حوراني: ما حصل في بلدة بيت جن هو تحريك للحاضنة الشعبية الرافضة للتوغلات الإسرائيلية


واعتبر حوراني، في حديث مع “العربي الجديد”، أن ما حصل في بلدة بيت جن هو تحريك للحاضنة الشعبية الرافضة للتوغلات الإسرائيلية، كما أن العروض العسكرية وهتافاتها لغزة وتعريف الإرهاب من قبل الشرع في مؤتمر الدوحة، وشمول تعريفه الممارسات الإسرائيلية في غزة، كل ذلك يشير إلى أن الحكومة السورية بإمكانها مواجهة إسرائيل عسكرياً وسياسياً وقانونياً، وأنه رغم تطور السلاح الإسرائيلي، فان حرب العصابات على الجبهة السورية قد ترهقها.

أما الناشط ممدوح العوض، وهو من أبناء القنيطرة، فقد حث في حديث مع “العربي الجديد” الحكومة السورية على تعزيز حضورها الإداري والخدمي والأمني في القنيطرة والمناطق الحدودية، والعمل على حماية هذا الحضور بالسبل المتاحة، خصوصاً التنسيق مع أميركا وقوات الأمم المتحدة، بهدف تعزيز صمود السكان وتمكينهم من الشعور بأن حكومتهم معهم ولا تتركهم وحدهم في مواجهة اعتداءات الاحتلال، إضافة إلى توجيه رسالة لإسرائيل عبر هذا الحضور تؤكد تمسك تلك الحكومة بأرضها واستعدادها للدفاع عن شعبها، وأنه ليس متروكاً لجيش الاحتلال يستبيح أرضه ويعتقل ويقتل أبناءه حينما يريد. ورأى العوض أن على الحكومة أيضاً دعم المقاومة الشعبية للاحتلال على غرار ما حدث في بيت جن، مؤكداً أن هذا حق مشروع، لأننا نتعامل مع قوات غازية للأراضي السورية، والتصدي لها عمل مشروع وفق القانون الدولي.

وتزيد مساحة المنطقة التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية وسيطرت عليها منذ سقوط نظام بشار الأسد عن 350 كيلومتراً مربعاً، أقامت فيها تسع قواعد عسكرية، منها ثماني في القنيطرة، شملت مرصد جبل الشيخ والتلول الحمر في الريف الشمالي، وقرص النفل في حضر، وحرش جباتا الخشب الذي يحوي مهبطاً للمروحيات، والحميدية، والعدنانية، وتل أحمر غربي في كودنة، والقنيطرة المهدمة، بالإضافة إلى قاعدة في سد الجزيرة في حوض اليرموك بريف درعا الغربي.

واختطفت قوة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، أمس الأربعاء، شاباً يتحدر من قرية العارضة في منطقة حوض اليرموك في الريف الغربي لمحافظة درعا، جنوب سورية. وأكد الإعلامي نور الحسن، لـ”العربي الجديد”، أن عملية الاختطاف تمت بعد توغل القوة داخل القرية، حيث استهدف منزل محمد القويدر من قبل القوة المتوغلة بشكل مباشر، ومن ثم تم اقتياده من قبلها إلى جهة مجهولة. وكانت قوات الاحتلال قد اختطفت منذ سقوط نظام الأسد مئات المدنيين السوريين، أفرجت عن معظمهم بعد ساعات، لكنها ما زالت تعتقل 39 مواطناً من أبناء المناطق الحدودية. وقتل جيش الاحتلال في عمليتين، الأولى في منطقة كويا في حوض اليرموك بريف درعا، في مارس/ آذار الماضي، سبعة أشخاص، والثانية في منطقة بيت جن بريف دمشق في نوفمبر الماضي، قتل فيها 14 مدنياً وأصيب 24 آخرون، فيما أصيب ستة جنود إسرائيليين.

عدنان علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *