مقالات

فرصة الوحدة خلال عهد السنوار كانت عظيمة وعبّاس أهدرها

في حوارٍ مطوّلٍ غير معتاد، استمر لأكثر من ثلاثٍ ساعاتٍ، في برنامج “بودكاست_تقارب” مع الاعلامي الفلسطيني احمد البيقاوي يبث من مدينة رام الله قدّم المعلق الفلسطينيّ البارز هاني المصري صورةً شاملةً لما كان يجري خلف كواليس القيادة الفلسطينية في العقود الأخيرة: من انتخابات عام 2006، مرورًا بأحداث 7 أكتوبر، وصولًا إلى الواقع السياسيّ في السنوات الأخيرة.

ومن بين التصريحات غير المألوفة التي كُشفت في المقابلة، ردّ فعل الرئيس محمود عباس (أبو مازن) الأوليّ على أحداث 7 أكتوبر، حيث قال المصري: “حتى الرئيس، يُقال إنّه وصف هذا اليوم بأنّه أعظم يوم في تاريخ فلسطين”، مضيفًا أنّ هذه الكلمات قيلت أمام عشرات الأشخاص، وليس في جلساتٍ مغلقةٍ.

وأكد: “كانت هناك فرحة في البداية، وأضاف: “قررت حماس عدم تقديم أي دعم سياسي لأبو مازن”، ووفقًا له، جرت اتصالات بين فتح وحماس في الأيام الأولى التي أعقبت الهجوم المباغت، حيث سُئلت فتح: “ماذا تريدون منّا أنْ نفعل؟” مع ذلك، ووفقًا للمصريّ، فقد ساد إجماعٌ في حماس آنذاك على عدم تقديم أيّ دعمٍ سياسيٍّ لأبو مازن، لاعتقادهم بأنّ وقته السياسي قد انتهى وأنّه يبحث عن سبيلٍ للبقاء.

ومن القضايا المحورية الأخرى التي طُرحت في الحوار قضية يحيى السنوار، فبحسب المصري، الذي التقاه عدة مرات، كان السنوار يُمثّل تيارًا أكثر “قومية” داخل حماس، على عكس التيار الأيديولوجي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، بقيادة خالد مشعل وموسى أبو مرزوق. وقال: “منذ اللقاء الأول، قلتُ إنّ البُعد القومي هو السائد في هذا الرجل”. ووفقًا له، أرسل السنوار وسطاء إلى الرئيس عباس وأعلن استعداده لتقديم عرضٍ “لا يُمكن رفضه”. لكن بدلًا من اغتنام هذه الفرصة، كما ادّعى المصري، استنتج الرئيس وحاشيته أنّ هذا مؤشرٌ على أنّ حماس في وضعٍ حرجٍ وعلى وشك الانهيار، ولذلك لم يُقدّموا أي ردٍّ حقيقيٍّ، وقال إنّ فرصة الوحدة خلال عهد السنوار كانت عظيمة، وحمّل الرئيس المسؤولية الرئيسية عن إهدارها.

ووصف المصري، الذي شارك في التحضيرات لانتخابات عام 2006، كيف أخطأت قيادة فتح والرئيس في تقدير قوة حماس. ووفقًا له، كان الاعتقاد السائد أنّ حماس ستبقى أقلية، وبالتالي يمكن احتواؤها والسيطرة عليها ضمن إطار المؤسسات الفلسطينية.

وتابع: “في البداية، عارضت الإدارة الأمريكية إجراء الانتخابات، لكن وفدًا من منظمة التحرير الفلسطينية أقنع البيت الأبيض بأنّ حماس لن تصبح قوة مهيمنة. قال: “سألونا: ‘بدون حماس، ما الذي ستحققونه؟’ وصدّقونا”.

ولفت المصريّ إلى أنّه “عندما بدأت النتائج تظهر مُشيرةً إلى فوز حماس، طلبت السلطة الفلسطينية من الولايات المتحدة الإذن بتأجيل الانتخابات، لكن وزيرة الخارجية آنذاك، كوندوليزا رايس، رفضت”.

وأكد المصري أنّه كان من بين الأشخاص الذين تواصلت معهم رايس بشأن هذه المسألة، بحسب قوله، ساهم الانقسام الداخلي داخل حركة فتح في هذه النتيجة: “تنافست فتح مع نفسها. ففي نابلس، ترشح عشرة مرشحين من فتح لمقعد أو مقعدين. أمّا حماس فقد قدمت مرشحًا واحدًا ودعمته، ممّا أدى إلى تشتيت الأصوات.

 ورأى أنّ خطأ القيادة الفلسطينية لم يكن في سعيها الحثيث لعقد لقاء مع مسؤولين أمريكيين، بل في جعله هدفًا رئيسيًا مع التنازل عن مبادئ أساسية. وأشار إلى أنّ حماس سعت أيضًا للتواصل مع مسؤولين أمريكيين، بمن فيهم ستيف ويتكوف، مؤكدًا أنّ هذا النمط كان مرتبطًا بالفعل بفترة اتفاقيات أوسلو.

ويعتقد المصري أنّ إجراء انتخابات عام 2021 كان من شأنه أنْ يُفرز قيادة جديدة وخريطة سياسية مختلفة، وربما كان سيحول دون التصعيد. ويرى أنّ القرارات المتخذة تأثرت بعوامل مثل قضية الأسرى، والوضع الاقتصادي في غزة، والانتقادات الداخلية داخل حماس لأسلوب الإدارة.

وفيما يتعلق بانعدام الوحدة الفلسطينية، أشار المصري إلى سلسلة من العوائق الهيكلية، وطبقًا له، يتمثل أحد أبرز هذه التحديات في التجنب الممنهج للنقاش الجوهري حول المشروع الوطني، مع رفض الأسئلة الأساسية المتعلقة بالرؤية والوجهة والمسار. ومن العقبات الأخرى الفجوة بين الشرعية المؤسسية والشعبية العامة، مما يُصعّب ظهور قيادة موحدة.

كما قدّم المصري تحليلاً للانقسامات الداخلية في حركة حماس،ووفقاً له، حتى مع تأسيس الحركة، كانت هناك اختلافات في الرأي داخل جماعة الإخوان المسلمين نفسها، حيث رأى البعض أنّ التركيز يجب أنْ يكون على الدعوة وإقامة الخلافة قبل الكفاح الوطني، وميّز بين تيار قومي، بقيادة السنوار وجماعته، والذي كان يُفضّل الوحدة الوطنية، وتحسين العلاقات مع مصر، والتركيز على تحقيق الأهداف الوطنية، وتيار أيديولوجي مرتبط بخالد مشعل وموسى أبو مرزوق، والذي يتميز بتوجه ديني واضح ويؤمن بعملية سياسية تدريجية. وقال: “الاختلاف لا يقتصر على البرنامج السياسي فحسب، بل هو صراع على السلطة”.

بالإضافة إلى ذلك أشار إلى النخبوية السياسية، التي قال إنّها تُبقي العديد من المبادرات في دوائر ضيقة ولا تصل إلى عامة الناس، فضلاً عن غياب النقد الذاتيّ والميل إلى التركيز فقط على النجاحات دون دراسة الإخفاقات دراسة وافية. وفي ختام المقابلة، حذّر المصري من سيناريو يتم فيه التوصل إلى اتفاق أسوأ من اتفاقيات أوسلو، وأعرب عن قلقه إزاء الاتفاقيات التي قد تُضعف التمثيل الفلسطينيّ أكثر.

زهير اندراوس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *