أخبار عربية ودولية

ما بعد تسليم السلاح كما قبله: العراق (ليس) دولة مقاومة

جاء الإعلان عن قرار حصر السلاح بيد الدولة في العراق، هذه المرّة، عن طريق رئيس مجلس القضاء الأعلى، موفق زيدان، أي من خارج إطار الحكومة التي تأخذ بعض الفصائل المقاتلة على رئيسها، محمد شياع السوداني، قربه من واشنطن. ولم تتأخّر الاستجابة لذلك الإعلان من قبل عدد من الفصائل التي تمثّل أجنحة لقوى سياسية سجّلت حصصها البرلمانية زيادة ملحوظة في انتخابات 11 تشرين الثاني الماضي. ورغم التباين بين التشكيلات المسلحة حول ذلك، إلا أنه حتى تلك الاستجابة تبدو مشروطة بدمج الفصائل بالقوى الأمنية، ومترافقة مع رغبة في استبدال العمل العسكري بنظيره السياسي من داخل البرلمان والحكومة. ومع هذا، سجّلت فصائل أخرى، منها «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء»، رفضها تسليم سلاحها قبل رحيل جميع القوات الأجنبية عن الأراضي العراقية، بما يشمل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة والقوات التركية.

صحيح أنّ بعض الجهات داخل العراق وخارجه، سعت إلى تصوير قرار الفصائل التي وافقت على تسليم السلاح، باعتباره إذعاناً للضغوط الأميركية والتهديدات الإسرائيلية، لا سيّما وأنه يتزامن مع ضغوط واعتداءات تهدف إلى دفع المقاومة في ساحات أخرى إلى التخلّي عن سلاحها، ولا سيّما في لبنان. إلا أنّ العراق مختلف؛ فهو ليس محتلّاً من إسرائيل، وكانت وافقت الفصائل الفاعلة فيه جميعها، في وقت سابق من العام الجاري، على طلب السوداني وقف حرب الإسناد لقطاع غزة ضدّ إسرائيل من جانب واحد، قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع بأشهر عديدة. كذلك، ليس ثمّة اتفاق بين العراقيين على طريقة إخراج قوات الاحتلال الأخرى، ومنها الأميركية؛ فحتى الفصائل التي تربط نزع سلاحها بخروج الأميركيين، لا تقاتلهم اليوم، في ظلّ الاتفاق بين الحكومة العراقية والإدارة الأميركية، على الخروج التدريجي لقوات الاحتلال حتى نهاية العام 2026، وإن كان بعضها يتّهم الأميركيين بالخداع، وبأنهم يحاولون الالتفاف على الاتفاق للبقاء في البلاد. وهذا هو السبب الذي يدفع جماعات من مثل «الكتائب» و«النجباء» إلى رفض التسليم.

ليس ثمّة اتفاق بين العراقيين على طريقة إخراج قوات الاحتلال


الأهمّ من ذلك؛ أنّ وصف استجابة الفصائل، من قبل الكثير من المحلّلين، بأنها تأتي نتيجة تغيير في موازين القوى الإقليمية بعد الحرب التي أعقبت «طوفان الأقصى»، لا يصمد كثيراً أمام التدقيق. إذ إنه لو كانت هذه هي الحال، لكان يُفترض أن ينعكس الأمر تغيّراً في خارطة النفوذ في الداخل العراقي، والتي لطالما اعتُبرت قسمة بين إيران والولايات المتحدة، في حين أنّ القرار، والاستجابة إليه، يأتيان بعد الانتخابات البرلمانية التي قرأها كثيرون كتعزيز لنفوذ القوى المتحالفة مع طهران، على حساب تلك القريبة من واشنطن. حتى إنّ فائق زيدان نفسه، الذي صدر منه القرار، يُعتبر قريباً من إيران.

بخلاف ذلك، فإنّ قرار تسليم السلاح، قد يوفّر ظروفاً تسهّل عملية تشكيل الحكومة المقبلة بما ينسجم مع نتائج الانتخابات البرلمانية، ويتيح للقوى التي كانت واشنطن تعترض على مشاركتها في الحكومة بحجّة أنها مسلّحة، الانضمام إلى تلك الحكومة، والسعي إلى تحقيق أهدافها عبر هذه المشاركة، لا سيّما وأنّ تسليم السلاح يقتضي دمج مقاتلي الفصائل بالأجهزة الأمنية. كما أنّ تسليم السلاح، لا يشمل تفكيك «الحشد الشعبي» الذي يُعتبر جهة أمنية رسمية، وإن كان يمكن، في مرحلة لاحقة، أن يُصار إلى تحديد أدقّ لمهمّاته؛ إذ ثمّة في الأصل مشروع قانون في البرلمان في شأنه، تعيق إنجازَه الخلافات بين القوى السياسية العراقية من المكوّنات المختلفة، والضغوط الأميركية.

ورغم كل ما تقدّم، فإنّ العلاقات الأميركية – العراقية متشعّبة كثيراً. فواشنطن، منذ احتلالها العراق عام 2003، أحكمت قبضتها على كامل البنية الاقتصادية للبلد، ولا سيّما النفطية، بل إنها أعادت بناءها من الصفر، على قياس الشركات والمقاولين الأميركيين، بعد أن أنهكتها سنوات العقوبات الطويلة التي سبقت سقوط صدام حسين. ولذا، فإنّ الشركات الأميركية تسيطر تماماً على قطاع النفط في كلّ أنحاء العراق، فيما عائدات مبيعات النفط بكاملها تذهب إلى حساب في فرع نيويورك في الاحتياطي الفدرالي الأميركي، وتُشحن دولاراتها بالطائرات من هناك، حيث تتحكّم واشنطن نفسها بتوزيعها على البنوك العراقية عبر البنك المركزي في بغداد، وذلك وفق كشوفات تتضمّن طريقة إنفاق تلك الأموال، بما يشمل فواتير الاستيراد. ورغم أنّ هذه الآلية مصمَّمة لمنع وصول الدولارات إلى الفصائل العراقية التي تضعها الولايات المتحدة على قائمة العقوبات، كما إلى إيران، إلا أنّ ثمّة ما يتسرّب من الأموال عبر التجارة بين طهران وبغداد، والتي تحتلّ حيّزاً كبيراً من الورادات العراقية، وخاصة في ما يتعلّق بالغاز الإيراني الذي يحتاجه العراق بشدّة لتشغيله محطاته الكهربائية، ولم تنجح واشنطن، في توفير بديل له، رغم سنوات من الجهود.

على أي حال، من غير المرجّح أن ترضى واشنطن بالصيغة المطروحة لتسليم السلاح، ولا أن تقبل ببقائه في أيدي الفصائل التي رفضت تسليمه. ولكن قرار التسليم يسحب ذريعة تتيح لها الضغط للإتيان برئيس وزراء قريب منها، وبعيد عن إيران، في حين أنّ نتائج الانتخابات البرلمانية لا تبرّر ذلك. وعليه، سيشهد العراق، في المدّة القريبة المقبلة اشتداد الكباش الأميركي – الإيراني، ولا سيّما مع الوصول المتوقّع للمبعوث الرئاسي الأميركي، مارك سافايا، إلى بغداد، ليباشر مهامه فيها رسمياً.

حسين ابراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *