مقالات

ترامب… الاتجاه غرباً

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، باختطاف نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير/ كانون الثاني الحالي، رسمَ مسار اقتصادي يميل إلى مصلحة “النصف الغربي من الكرة الأرضية”، وفقاً للمصطلح الذي راج على ألسن أركان إدارته. ليس جديداً أن يبقى الدولار الأميركي العملة الأساسية في التعاملات التجارية في العالم، على عكس ما ردّده الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، من أن الاقتصاد العالمي ينزاح شرقاً، وأن دول مجموعة بريكس وحلفاءها قادرة على قلب الموازين في وجه “الغرب الجماعي”. صدّق كثيرون الحملات الإعلامية المُكثَّفة، العاملة على إقناع العالم بأن الدولار ينهار وأن أميركا تنهار. ودائماً حين تختلط الأمنيات بالوقائع، تتمظهر الأوهام وكأنها حاجبة لحقائق عدّة، حتى لو لم نحبّها.

ما قام به ترامب في فنزويلا، واستتبعَه في أقل من أسبوع بالسيطرة على النفط هناك، وتحويل الولايات المتحدة إلى الشريكة التجارية الرئيسة لفنزويلا، وإبعاد الصين وروسيا وكوبا وإيران من هناك، أعاد التذكير بمفهوم “تسليح الدولار”، لعجز خصومه المفترضين، الروس والصينيين، عن مواجهته أو ردعه، ولغياب القدرة الأوروبية، الحليف الرابض في الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي. ومن المفترض، وفقاً لتسلسل الأحداث، أن ترتفع قيمة الدولار في الفترة المقبلة، مع تسجيل انخفاض في أسعار النفط العالمية، فيما لا أحد حرفياً قادر على صدّ هجوم ترامب، الذي وصفه حليفه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام بأن هناك “شريفاً جديداً في البلدة”، وهي عبارة مستوحاة من الغرب الأميركي، مع قوانينه كلّها، المبنية على مبدأ البقاء لحامل السلاح، الذي يصنع القوانين، لا للقوانين نفسها. سيتقدّم الأميركيون أكثر باتجاه غرينلاند الدنماركية، والشرق الأوسط، ومداخل المضائق والقنوات في أفريقيا وآسيا. ولن يتأخّروا في إعلان تمسّكهم بالوضعية الراهنة في تايوان، أي “صين واحدة” مع ألف “لكن” تحتها.

كذلك لا يحتاج مفهوم التحوّل الاقتصادي العالمي إلى الشرق، خصوصاً نحو المعاقل الآسيوية البعيدة، إلى كثير من التفكير لفهم أن مثل هذه الخطوة تستلزم، قبل كل شيء، خروج الصين تحديداً من خانة البائع، والبحث عن الشراء، وليس على طريقة الاستيلاء على موانئ أو مناطق اقتصادية أفريقية وآسيوية. أيضاً، إن مثل هذا الاقتصاد الشرقي في حاجة إلى ثبات واستقرار لتعويض أيّ تعثّر مشابه لتعثّر دول آسيوية عدّة في أواخر تسعينيّات القرن الماضي. أما المسألة الأهم، فمتصلة بالأيديولوجيات التي يمكن تسويقها بالتزامن مع الحراك التجاري: أيّ أيديولوجيا يمكن للصين أو روسيا تقديمها إلى العالم، خارج سياقات الرؤى القومية لديهما؟ وسط ذلك كلّه، يجدر التذكير أن استقرار الأنظمة عبر تداول السلطة أمرٌ هام لأيّ هدوء اقتصادي. في الشرق الآسيوي لا أحد يعلم مدى استقرار الصين بعد انتهاء شي جين بينغ، وفي شمال الصين تعيد روسيا الدرس مرّة أخرى: “دولة تقوم على حكم فرد لا على نظام”، منذ أيام القياصرة والأمناء العامين للحزب الشيوعي، وصولاًَ إلى سليل ذلك كلّه، بوتين.

الأساس هنا، قبل التفكير بتغيير أنماط الاقتصاد العالمي، أن مستقبل الاقتصاد سيكون جزءاً محورياً من الذكاء الاصطناعي، وهو ما سيؤدّي، بطبيعة الحال، إلى تسارع نموّه وتمدّده في الدول الغربية، معبّداً الطريق أمام مزيد من التركّز الاقتصادي في النصف الغربي من الكرة الأرضية، ما سيعيد بكين وموسكو خطوات إلى الوراء. هل كان يمكن تفادي ذلك؟ نعم، في إجابة مطلقة، لكنه كان يتطلّب المزيد من الاستثمارات الروسية والصينية، وصبراً مرتبطاً بإدراك أن قواعد السوق لا تخضع لأيديولوجيات قومية وعرقية وسياسية وغيرها، بل تلاحق المال أينما وُجد. ومع إتمامه عامَه الأول من ولايته الثانية، التي كان محورها فرض الصفقات بالقوة أو باللين، سيواصل ترامب زخم هجومه في العام الحالي لخفض أسعار البيض في الولايات المتحدة، وهو المعيار الأساس لأسعار السلع في الداخل. أما الانزياح شرقاً، فمؤجّل إلى قرون أخرى.

بيار عقيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *