أخبار عربية ودولية

«إصلاحات» نفطية وتطهير في الإدارة: رودريغيز «تدفن» البوليفارية

لندن | شكّلت الساعات الأولى من صباح الثالث من كانون الثاني 2026، نقطة تحوّل جذري في تاريخ فنزويلا المعاصر. فمع تنفيذ القوات الأميركية الخاصّة عملية «العزم المطلق»، وانتزاع نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من قلب السلطة، انهار البناء الأيديولوجي المسمّى «البوليفارية التشافيزية»، والذي هيمن على البلاد لربع قرن، فيما أثبت التحليق الأميركي الحرّ في سماء كاراكاس، وسط غياب تامّ لمنظومات الدفاع الجوي الروسية والصينية، هشاشة كلّ شعارات «السيادة المطلقة» التي دائماً ما ردّدها البوليفاريون. ومع تولّي ديلسي رودريغيز الرئاسة المؤقتة، تبلورت سريعاً وقائع الانقلاب الناعم: فبينما يستمرّ «الحزب الاشتراكي الموحد» (PSUV) في الحكم، بات النهج «التشافيزي» في حُكم المنتهي كعقيدة سياسية حيّة؛ إذ يمثّل النظام الجديد قطيعة مع الماضي، ونموذجاً براغماتياً «نيو – كولونياليّاً»، قبلت بموجبه النخبة اليسارية الحاكمة لعب دور الشريك الأمني والاقتصادي للولايات المتحدة ثمناً للبقاء، علماً أن البوليفارية التشافيزية اعتمدت في جوهرها على ركيزة التناقض الوجودي مع النفوذ الأميركي.

في الـ16 من كانون الثاني الجاري، أي بعد أقلّ من أسبوعين على اختطاف مادورو، أُعلن دفن تلك الركيزة رسمياً، مع استقبال رودريغيز، مدير وكالة الـ«سي آي إيه»، جون راتكليف، في قلب كاراكاس، الذي نسف السردية الثورية من جذورها. وكانت تقارير ديبلوماسية قد أكدت أن الرئيسة الجديدة، المعروفة بدهائها وبراغماتيتها، أدركت، خلال مفاوضات مع الأميركيين باسم النظام عُقدت سابقاً في الدوحة، انتهاء صلاحية اللعبة الأيديولوجية، واختارت لتنجو وطبقتها، تحويل فنزويلا من مركز للمقاومة في نصف الكرة الغربي، إلى شريك وظيفي للولايات المتحدة، وهو ما عبّر عنه بوضوح قول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب: «لقد قالت لنا سنفعل كلّ ما تحتاجونه… لم يكن لديها خيار آخر». وفي حين مثّلت «السيادة النفطية» القلب النابض للتشافيزية، فإن رودريغيز، وفي خطابها الأول عن حال الأمة بعد انقلابها على مادورو، قرّرت تفكيك هذه السياسة الراسخة تحت لافتة «الإصلاحات»، واضعةً فنزويلا في أيدي شركات النفط الأميركية الكبرى المتعدّدة الجنسيات، وذلك من خلال عملية بيع للنفط تُعدّ – من الناحية التقنية – سرقة وقرصنة وابتزازاً مقنّعاً، ستحتفظ الولايات المتحدة بموجبها بأكثر من ثلث عائدات عمليات البيع، التي تُقدّر قيمتها الأولية بحوالى 500 مليون دولار، يُزعم أن نحو 330 مليوناً منها ستُعاد إلى فنزويلا لإنفاقها على «الصحة والبنية التحتية».

أمّا فكرة «التضامن الاجتماعي» والصناديق السيادية الجديدة التي تروّج لها رودريغيز كإصلاحات في القطاع النفطي، فليست سوى محاولة لتبييض حقيقة ما يجري على الأرض من عملية نهب ممنهجة لفنزويلا، تتجلّى بأوضح صورها في مسار الأموال المخصّصة لهذه الأخيرة؛ إذ ستودع عائدات النفط في حساب للمركزي الفنزويلي لدى «بنك قطر الوطني»، شريك بنك «جي بي مورغان تشيس»، وذلك بموجب آلية تجعل نقل العائدات إلى البنوك الفنزويلية رهينة موافقة «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» (OFAC)، التابع لوزارة الخزانة الأميركية. ويضاف إلى ما تقدّم، أن البنوك الأميركية لن تتمكّن من تمرير المعاملات التي تشمل المركزي الفنزويلي إلّا إذا قامت وزارة الخارجية الأميركية بالتصديق المسبق على ممثّليه، كما إن هذه الشهادة لن تصدر إلّا في حال اعترفت الولايات المتحدة بالحكومة، ما يعني أن واشنطن تعترف بالفعل، وبحكم الأمر الواقع، بشرعية حكومة رودريغيز كسلطة وظيفية تابعة. ومن جهتهم، يمارس المسؤولون التنفيذيون في صناعة النفط الأميركية ومحامو شركات النفط الدولية، ضغوطاً لتعديل قانون المحروقات الفنزويلي، ساعين من خلال تلك الضغوط إلى الحصول على حقّ تصدير النفط الذي ينتجونه في فنزويلا بحرّية، وتقليص حصّة كاراكاس من قيمته، وهو ما شرعت رودريغيز في إظهار الاستجابة له من دون تلكّؤ.

يُعدّ نعت رودريغيز بأنها «حانوتيّ التشافيزية» توصيفاً دقيقاً للمرحلة الراهنة

وفي موازاة تغيير المسارَين الاقتصادي والسياسي، بدأت رودريغيز إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي للدولة ليتلاءم مع الحقبة الأميركية الجديدة؛ إذ تشهد أروقة قصر «ميرافلوريس» حملةً صامتة ومكثّفة لتطهير الإدارة من تركة نيكولاس مادورو، تشمل استبدال الكوادر الحزبية التقليدية والموالين العقائديين في الحكومة ومؤسسات السلطة بشخصيات تكنوقراطية شابة، تجيد لغة المال والأعمال، وتلقى قبولاً لدى الدوائر الغربية. وتهدف هذه التعيينات إلى تفكيك شبكات المحسوبية القديمة التي بناها مادورو، ليس رغبة في الإصلاح الديموقراطي، بل بهدف مركزة القرار في يد الدائرة الضيّقة المحيطة بالأخوَين رودريغيز (ديلسي وشقيقها جورجي). أمّا على مستوى الشارع، فيلاحَظ أن الانقلاب الجذري في هوية الدولة لا يقابَل باعتراض جادّ لدى الطبقات الشعبية، ليس لرضى هذه الأخيرة عما يجري بالضرورة، بل لكونها أوّلاً منهكة من سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي الخانق والفقر المدقع، وهو ما يعني أن الاستراتيجية الأميركية الطويلة الأمد نجحت، من خلال «الضغط الأقصى» ثمّ «الاحتواء»، في تحويل أحلام الفنزويليين من الطموحات الثورية الكبرى، إلى مجرّد الرغبة في البقاء. وفي الواقع، يرى سكان الأحياء الفقيرة (الباريوس) في التدخُّل الأميركي أملاً – ولو يائساً – في عودة الاستقرار الاقتصادي، وتوفّر الغذاء، واستقرار العملة، حتى لو كان الثمن هو السيادة الوطنية، وهي حقيقة تدركها رودريغيز، بينما تستثمر في هذا «الإنهاك الاجتماعي» لتمرير صفقاتها. في المقابل، تفضّل إدارة ترامب، الذي كان يدرس خيار غزو فنزويلا عسكريّاً منذ عام 2017، وفق ما أكده الرئيس الكولومبي السابق، خوان مانويل سانتوس، الاستقرار في كاراكاس على الديموقراطية المزعومة، متجاوزةً رموز المعارضة اليمينية التقليدية، ومفضّلةً التعامل مع قيادة مسيطرة قادرة على ضبط الأمن وضخ النفط، تجنُّباً لفوضى كانت ستؤدّي إلى حرب أهلية طويلة.

مع ذلك، ورغم قبولها أميركيّاً كشخصية تكنوقراطية، تواجه رودريغيز تحدّيات وجودية من داخل بنية النظام الذي قام تاريخيّاً على تحالف معقّد بين الحزب والجيش والمجموعات المسلّحة؛ إذ يشكّل سعيها إلى مركزة عائدات النفط في صناديق مستقلّة، والوصاية الأميركية المباشرة عليها، تهديداً لمصالح الجنرالات الذين استفادوا طويلاً من عائدات شركة النفط الوطنية، ممّا قد يخلق بيئة خصبة للتوتّر بين العسكر والمدنيين. وفي حين يمثّل وزير الداخلية، ديوسدادو كابييو، المسيطر على الاستخبارات والشرطة والميليشيات الشعبية المسلّحة (الكوليكتيفوس) رأس التيار المتشدّد الرافض للتعاون مع واشنطن، فإن خروجه عن سرب الجوقة الجديدة في كاراكاس سيعني منح رودريغيز، الـ«سي آي إيه» ضوءاً أخضر لاستئصاله، تماماً كما فعلت مع أليكس صعب، المتواري عن الأنظار خوفاً على حياته. أمّا وزير الدفاع، فلاديمير بادرينو لوبيز، الذي سارع إلى إظهار قبول ظاهري بالوضع الجديد، فإن غياب المقاومة لعملية «العزم المطلق» يطرح تساؤلات حول مدى تماسك المؤسّسة العسكرية الواقعة تحت سلطته.

على الصعيد الخارجي، يعيش حلفاء كاراكاس التقليديون (روسيا، الصين، إيران وكوبا) حالةً من القلق الاستراتيجي؛ إذ تواجه بكين، التي اعتمدت على النفط الفنزويلي لسداد الديون، نظاماً جديداً يأتمر بأوامر واشنطن، بينما تكرّست سمعة موسكو كحليف لا يمكن الاعتماد عليه بعد تكرار حلقات التخلّي في أرمينيا وسوريا وفنزويلا. كما إن احتمال قطع إمدادات النفط عن كوبا استجابة للمطالب الأميركية قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي في هافانا، ما يعني تأثير «دومينو» يهدّد الأنظمة اليسارية كافة في المنطقة.
وعلى أيّ حال، يُعدّ نعت رودريغيز بأنها «حانوتيّ التشافيزية» توصيفاً دقيقاً للمرحلة الراهنة؛ فهي تحتفظ بأعلام الثورة البوليفارية للاستهلاك المحلي، بينما تعمل كترس فاعل في آلة الطاقة والمصالح الأميركية. ورغم أن هذا الترتيب قد يوفّر استقراراً مؤقتاً للنخبة اليسارية الحاكمة، لكنه يظلّ قائماً على أنقاض أيديولوجيا التحرّر، وتحت وصاية خارجية مباشرة، في حين أنه سينتهي سريعاً في حال سحبت الولايات المتحدة يدها لمصلحة تسليم البلاد – عبر انتخابات شكلية – إلى اليمين مباشرة.

سعيد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *