أخبار عربية ودولية

طلب واشنطن الاستسلام مستعصٍ: كفّة المواجهة تَرجح

يسود التهديد بالحرب، راهناً، المقاربة الأميركية تجاه إيران. ولا يقتصر ذلك على الخطاب السياسي، بل يتعدّاه إلى الخطوات العملية الميدانية، الهادفة إلى إضفاء مصداقية على التلويح بالقوّة. ويبدو أن الولايات المتحدة تراهن على استراتيجية «السيف المسلّط» لدفع إيران إلى الخضوع لشروطها، فيما يبقى السؤال الأصعب: هل ستستسلم طهران لتلك الضغوط؟ الأرجح أنها لن تفعل، وهو ما قد يعزّز احتمالات لجوء واشنطن إلى تفعيل القوّة، وإنْ لم يتّضح بعد مستوى هذه الأخيرة، أو الهدف النهائي منها، وكذلك التوقيت المناسب لاستخدامها.

وإذ يبدو أن الجانب الأميركي نفسه لم يتّخذ قراراً نهائيّاً حول الخطوة التالية، في حال فشلت سياسة الترهيب، فإن ثمّة مَن يرى في التحرّكات الجارية مقدّمة ضرورية لعمل عدائي أو عسكري واسع النطاق، ربّما يكون تقرَّر فعلاً في دوائر صنع القرار في واشنطن. فهل باتت الحرب قريبة فعلاً؟ الواقع أن المشهد مليء بالدوافع الأميركية، وعلى رأسها وجود مصالح استراتيجية وتطلّعات عنوانها إخضاع المنطقة وفرض الهيمنة عليها، فضلاً عن وجود اعتبارات شخصية لدى صانعي القرار أنفسهم، ومحرّضين ممَّن يُسمع صوتهم جيّداً في واشنطن. لكن في مقابل الدوافع، ثمة كوابح متعدّدة قد تؤخّر القرار أو تعيد توجيهه؛ فمن جهة، هناك خشية من حصول تصعيد غير منضبط، تترتّب عليه حرب إقليمية شاملة، سترخي بتداعياتها الاقتصادية على العالم، من دون أن تكون نتائجها مضمونة. أيضاً، ربّما يكون للحسابات الداخلية والتقييمات الأمنية المتأنّية، دور حاسم في كبح الاندفاعة نحو الخيار العسكري. غير أن المؤكّد، إلى الآن، هو أن الجانبَين الأميركي والإيراني ينهيان استعداداتهما لسيناريوات مواجهة محتملة، يبقى قرارها النهائي في يد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي سيحدّد ما إذا كانت هناك ضربة عسكرية، وما هي أهدافها، وفقاً لاعتباراته وقيوده وحكمه الشخصي على الفائدة والثمن.

أيّ تدخُّل عسكري إسرائيلي مباشر، من شأنه أن يُربك السيناريوات التي تضعها واشنطن


في هذا السياق، يبرز دور إسرائيل باعتبارها «شريك الظلّ» في بلورة القرارات الأميركية المتعلّقة بإيران؛ إذ لا تكتفي تل أبيب بالصمت أو الانتظار، بل تطلق إشارات علنية وعملية ترجح احتمال المواجهة. ومن ذلك مثلاً، تسريبات استخبارية مُوجّهة من أعلى المستويات، تشير إلى أن المواجهة مع إيران «حاصلة لا محالة»، وأن السؤال لم يَعُد حول إمكانات وقوعها، بل توقيتها وأهدافها. وإذ تأتي هذه التسريبات لتضفي بدورها مصداقية على التهديدات الأميركية، فهي تكشف أن قرب تفعيل الخيار العسكري بات راجحاً لدى صانع القرار الإسرائيلي.
بالطبع، ترغب إسرائيل في أن تقود الولايات المتحدة أيّ عمل عسكري ضدّ إيران، سواء كان ترهيبيّاً أو شاملاً. على أن القيادة الأميركية للهجوم لن تبعد عن الكيان «كأس» دخول المواجهة؛ فردّ فعل إيران على أيّ هجوم، حتى وإنْ كان محدوداً، لن يستثني تل أبيب، وهو ما يضيف تعقيدات إلى موقف الأخيرة، ويجبرها على خوض استعدادات دفاعية. ولعلّ الأكثر إقلاقاً لإسرائيل، هو أن تقدّر إيران أن الهدف من الضربة هو إسقاط نظامها، فتندفع إلى إدخال الكيان إلى المعركة كوسيلة لتوسيع النزاع، أو فرض ثمن باهظ عبره.

وعلى أيّ حال، تأتي الزيارات المتبادلة، المعلنة وغير المعلنة، بين إسرائيل والولايات المتحدة، في إطار الإعداد لمواجهة هكذا فرضيات. غير أن هذه الزيارات لا تقتصر على تبادل المعلومات الاستخبارية فحسب، أو حتى مجرّد التنسيق الأمني الروتيني، بل تهدف، في جوهرها، إلى رسم حدود للسلوك الإسرائيلي ضمن المعادلة الأميركية الأوسع حيال إيران. فواشنطن لا تكتفي بالاطمئنان إلى أن تل أبيب قادرة على صدّ أيّ هجوم محتمل أو احتواء تداعياته، بل تسعى أيضاً إلى ضمان ألّا تتّخذ حليفتها خطوات من شأنها أن تُعقّد الحسابات الأميركية، سواء في مرحلة ما قبل التصعيد والمواجهة، أو في ذروتها.

ذلك أنه رغم التحالف الوثيق بين الطرفين، تدرك الإدارة الأميركية أن أيّ تدخُّل عسكري إسرائيلي مباشر، من شأنه أن يُربك خططها، حتى وإنْ كانت تتّجه نحو مواجهة شاملة هدفها إسقاط النظام الإيراني. بتعبير آخر، تخشى الولايات المتحدة من أن تتحوّل أيّ مغامرة إسرائيلية إلى شرارة تُخرج الأزمة عن مسارها المرسوم، أو تُلزِم واشنطن بردود فعل لم تخطّط لها؛ ولذا، فهي تفضّل أن تحتفظ بزمام المبادرة وحدها، وتُبقي تل أبيب في موقع «الشريك الداعم» لا «اللاعب المستقلّ».

وإذ يبقى شكل المواجهة العسكرية ومداها غير واضحَين، فإن الهدف الاستراتيجي الأميركي واضح جداً، وهو ما تكرّر على لسان مندوبي ترامب إلى المنطقة، ممَّن تحدثوا عن شروط تتعلّق بإنهاء البرنامج النووي الإيراني «مرّة واحدة وإلى الأبد»، وكذلك إنهاء البرنامج التسليحي بتشعّباته المختلفة، والأهمّ إنهاء النفوذ الإقليمي، عبر إجبار طهران على وقف الدعم لجهات المقاومة في المنطقة.
ويُعدّ امتثال نظام الجمهورية الإسلامية لتلك الشروط، إنهاءً عمليّاً لمبرّر وجوده، وهو يساوي نتيجة إسقاط النظام بالكامل عبر الحرب. وعلى هذه الخلفية، ترجَح، بحسب كثيرين، كفّة المواجهة، التي يظلّ التحشيد العسكري الأميركي مقدّمة من مقدماتها، كونه يمنح واشنطن مرونة تشغيلية، من دون أن يعني تلقائيّاً أن هناك هجوماً وشيكاً. أمّا ما سيحدث فعلاً، فيبقى معلّقاً على نتيجة الشدّ والجذب الحاليّين.


يحيى دبوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *