مقالات

العراق بين إعادة تدوير المالكي والبحث عن أفق جديد

يعود نوري المالكي إلى رئاسة وزراء العراق، أو لا يعود، ليست هذه المشكلة، ولكن مجرد طرح ترشيحه من جديد يظهر أن العراق ما زال يبدو بعيدا عن منطق التاريخ، وعالقا في الدائرة المغلقة التي تحكمه وتقصيه عما يستحقه في الطريق تجاه بناء دولة حديثة وشاملة لجميع العراقيين.

السيناريو الاعتيادي في لحظات الانهيار الكبرى، بعد الثورات الشعبية، أو تغيير الأنظمة المقيمة لفترة طويلة في السلطة، يقضي بصعود بعض القوى المتأهبة لتدخل في فترة من الارتدادات والهزات، لاستيعاب حالة التفكك التي تشهدها الدولة، وبعد ذلك، سواء وصفت بالثورة المضادة أو العودة الضرورية لحالة التوازن، تطوى صفحة هذه القوى الصاعدة وترحل تماما.

من دانتون في الثورة الفرنسية إلى ألكسندر كيرنسكي بعد الثورة البلشفية وصولا إلى محمد مرسي على أكتاف ثورة يناير، يبقى السيناريو مكررا ومتوقعا لأنه ببساطة منطقي، أما في العراق، فليس ثمة شيء منطقي حتى اللحظة، وحالة الفوضى التي أعقبت إزاحة نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، دفعت العراق إلى ثقب أسود، تتدنى فيه مستويات الرؤية وتنعدم فيه الحلول تقريبا. تحدث المفكر المصري غالي شكري عن العراق المشتهى والمبرر و(المنطقي)، حيث هو البلد العربي التي تلتقي فيه وفرة الثروة المادية، من نفط ومياه، مع الكتلة البشرية المناسبة، لا مصر ولا سوريا تمتلكان الثروات القابلة للترجمة لتمويل مباشر، لتقفا في مقدمة الطابور للاستحواذ على صفقات السلاح أو التكنولوجيا، ولا دول الخليج لها الكتلة البشرية الكبيرة، التي تشكل العمق اللازم وتغري بالنفس الطويل في التجاذب الإقليمي. يمكن أن تعزى حالة الفوضى في تأسيسها ووصولها إلى وضع المالكي رئيسا للوزراء في المرة الأولى، إلى قانون اجتثاث البعث، الذي أفرغ الدولة من الكوادر الإدارية والتنظيمية المهمة، للمحافظة على كينونة انتقالية، ولم يكن القانون بريئا عن الاستهداف وإطلاق حراك اجتماعي وإعادة توزيع النفوذ والسلطة، وحدثت الفجوة الكبرى التي دفعت العراق إلى إعادة اختراع العجلة، ولكن أتى الانتقال من دولة مركزية في قراراتها وتوجهاتها، إلى ديمقراطية، لم يكن العراق جاهزا لاستيعابها، ليفرض واقعا جديدا يعيد ترتيب نفسه على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، ويصبح التطرف في التعبير عن الانتماء الفئوي هو المدخل لاسترضاء النزعات الشعبوية. أتى ذلك ليفتح بابا لتقدم زعامات جديدة، لا تقدم مشروعات لنهضة عراقية مستحقة، ومراجعة وطنية شاملة تستطيع أن تقدم نموذجا لدولة عُلقت عليها بعض الآمال بأن تمثل المختبر للشرق الأوسط الجديد، ولم تنجح سوى في طرح نفسها في وصاية على نظام محاصصة، بين الزعامات الفئوية لا يرتقي ليكون توازنا بين الفئات المختلفة.

بقي المالكي بعد وصوله إلى السلطة قائما على إدارة نظام المحاصصة، ليعود العراق مختطفا من جديد، ويبدأ العالم في متابعة حالة التعثر والتخبط، التي كانت تعني استهلاك الكثير من الوقت، الذي لا يمكن تعويضه لأن تكلفته وصلت إلى حدود قياسية ومنها، استنفاد لثروات العراق المادية، لدرجة قدرتها لجنة النزاهة العراقية بنحو نصف ترليون دولار أمريكي، وتصل بها تقديرات أخرى إلى ترليون دولار. الخسارة لم تتوقف عند الجانب المادي، فما تركته من آثار سلبية على الجانب الإنساني سيبقى يحتاج إلى سنوات، وربما عقود من الترميم تجاه بناء مجتمع عراقي يتجرد من خياراته الطائفية والمذهبية والعرقية، والعراقيون يعاودون الوصول إلى مرحلة أمنية مقبولة، ولكنهم يمشون أيضا في حقل من الألغام زرعت في مرحلة الفوضى، وتعمقت واستثمرت لتصبح إحدى أدوات إدارة المشهد السياسي والعلاقات داخله.

على المستوى الإقليمي بقي العراق تائها ومتعثرا، وقارب حالة تبعية لإيران تتطلب تفكيرا عميقا في الواقع الوجودي للعراق، فالعراق ليس مطلوبا منه أن يكون في عداوة دائمة مع جارتيه، إيران أو تركيا، ولكن على الأقل، يتطلب الأمر بناء حالة من الندية التي أثبت العراق أنه يستطيع صيانتها وتعزيزها لعقود من الزمن. لماذا يفكر العراقيون في هذه الحالة، وفي توقيت غير مناسب على الإطلاق في استعادة المالكي من جديد؟

يبدو أن تعمق حالة الفوضى والارتباك والمعادلات القائمة تغري كثيرا من القوى السياسية بالعمل على المحافظة عليها

يبدو أن تعمق حالة الفوضى والارتباك والمعادلات القائمة تغري كثيرا من القوى السياسية بالعمل على المحافظة عليها، لأنها هي الحالة المنتجة والتأسيسية لوجودهم، بما يعني أن تقدما نحو عراق في نسخة أكثر تجاوبا مع طموحات الشعب العراقي، وأي شعب في العالم، سيلغي الحاجة إلى هذه القوى، ويجعلها غير لازمة وغير ضرورية، والانتقال إلى حالة من التوازن العادل والبناء سيجعلها تفتقد لسلطة التخويف ونفوذ الحماية الذي تصور هذه القوى نفسها قائمة عليه.

لم يتخذ القرار النهائي بإزاحة المالكي من سباق رئاسة الوزراء، أو انسحابه بصورة باتة، إلا أن اعتراضا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدى إلى فرملته، وربما يعايش العراق حالة من فروقات التوقيت الصعبة، يجعل من المتعذر التوافق على بنية سياسية مناسبة للمرحلة المقبلة على المستوى المحلي والإقليمي. يصف الرئيس ترامب المالكي، بالخيار السيئ للغاية، ويصف العملية بإعادة تنصيبه لا انتخابه، مذكرا بأن عهد المالكي استغرقته الفوضى والفقر، وهذه الرؤية لا تتعلق بالمالكي كشخص، بقدر ما تتعامل معه كحالة وأسلوب، لأن مقاربة ترامب تبحث عن منطقة هادئة تصلح للاندماج اللوجيستي في مشروعات أوسع، وهو السبب نفسه الذي يجعله مترددا في توجيه ضربة واسعة لإيران لتجنب السيناريو، الذي أعقب الغزو الأمريكي للعراق في 2003، فما يريده في هذه المرحلة منطقة مهيأة للصفقات الكبيرة، ولا يريد ترامب أن يتوجه إلى انتخابات نصفية مقبلة في مجلس النواب والشيوخ في واشنطن، وهو يواجه احتمالات توتير واضطراب لمصلحة إيران تفتح فرصة لإفلات الأمور ميدانيا ونظريا في رؤيته للمنطقة.

لا يعني ذلك أن يوضع المالكي في دور البطولة، فالفراغ الذي أحدثه الحضور الأمريكي مع بول بريمر وعشوائيته وشخصيته الصلفة، كان يفترض أن يشكل فرصة لاستعادة التوازن العراقي سياسيا، بدلا من تحويل العراق إلى حديقة خلفية للنفوذ الإيراني، تحت دعوى التجاذب المذهبي، الذي وضعته بعض القوى ليكون محركا لصراع وضعت مفاتيح إشعاله وتهدئته في جيوبها، وحتى ذلك لم يسجل نجاحا للمالكي، الذي تنتهي فترته الثانية مع دخول قوات تنظيم الدولة في العراق والشام إلى الموصل، من غير وجود لما يمكن وصفه بالدولة، أو الجيش الذي يتمكن من صد مئات المقاتلين، الذين يستولون على مدينة مليونية بموكب من عربات الدفع الرباعي.

المشكلة ليست في عودة المالكي، ولكن في بقائه أساسا ضمن خيارات الطبقة السياسية العراقية، التي يجب أن تعيد قراءة المشهد وأن تدرك أن العراق هو البلد الذي تتقاطع فيه الثروة مع الزخم في كل المنطقة العربية، وبقاؤه في هذه الحالة من انعدام الخيارات لن ينتج مستقبلا لائقا للعراقيين، وربما سيهدد العراق وجوديا في المستقبل، لأن بلدا مثل العراق يحتاج أفقا مفتوحا لا إعادة تدوير للفشل.

القدس العربي

سامح المحاريق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *