أخبار عربية ودولية

تدمير قطاع الاتصالات: هكذا يعيش الغزيون «في الظلام»

دير البلح | ما تزال مناطق واسعة من قطاع غزة تعيش عزلة كاملة، بسبب شلل قطاع الاتصالات الذي تعرض لتدمير إسرائيلي ممنهج، بهدف إعادة سكان القطاع إلى عصور الظلام. إذ بعدما تسبّب تدمير الأبراج والمقاسم والشبكات في انقطاع خدمات الاتصالات عن أكثر من نصف السكان، تحوّلت مناطق واسعة إلى بقع معزولة، يصعب فيها الوصول إلى المساعدات الإنسانية أو حتى التواصل مع الأهل والأحبّة. وفيما أضافت هذه المعاناة بعداً جديداً من القسوة إلى حياة المدنيين المحاصرين، حيث باتت الاتصالات التي تعد شريان الحياة في أوقات الحروب عاجزة عن مواكبة احتياجاتهم الأساسية، فإن خسائر هذا القطاع بلغت أكثر من نصف مليار دولار منذ بداية الحرب، وفقاً لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في غزة. وأشارت الوزارة إلى أن نحو 75% من الأبراج الخاصة بشبكات الهاتف النقال تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، ما أدى إلى انقطاع الخدمات عن 60% من سكان القطاع، موضحة أن عدداً من المناطق أصبحت معزولة تماماً عن خدمات الإنترنت والاتصال، ما يزيد من صعوبة تقديم الخدمات الإغاثية والإنسانية للسكان. كما أفادت بتضرر أكثر من 130 شركة بشكل كلي أو جزئي، إضافة إلى تدمير الكابلات الضوئية والنحاسية والمقاسم والأعمدة والأبراج ومواقع الشبكات الخلوية، الأمر الذي أدى إلى انهيار خدمات الاتصالات بشكل شبه كامل.

«لا نعرف ماذا يحدث»
داخل أحد فصول مدرسة تابعة لـ«الأونروا» في منطقة الرمال في مدينة غزة، تقيم عائلة أشرف الهمص بعد أن دُمّر منزلها في حي الشجاعية خلال الغارات الإسرائيلية. وفي حديثه إلى «الأخبار»، يقول الهمص: «كنا نعتمد على الإنترنت لمعرفة الأخبار والاطمئنان على المناطق التي نقصدها. الآن أصبحنا معزولين تماماً ولا نعرف ماذا يحدث حولنا. هل القصف قريب؟ هل هناك مساعدات قادمة؟ كل شيء صار غامضاً». وأثّر انقطاع الإنترنت، أيضاً، على تواصل العائلة مع أقاربها في جنوب القطاع، بحسب الهمص، الذي يشير إلى أن «الإنترنت كان وسيلتنا الوحيدة للتواصل مع أخي الذي نزح إلى منطقة مواصي خان يونس». ويضيف: «منذ أكثر من أسبوعين لم أتواصل معه إطلاقاً، ولا أعلم إن كان لا يزال من أهل الدنيا أم استشهد بسبب عدم توافر الإنترنت».
ويحكي الرجل عن محاولاته اليومية للحصول على الإنترنت، بالقول: «أذهب إلى مناطق بعيدة بحثاً عن نقطة فيها شبكة Wi-Fi تعمل، وغالباً ما أعود من دون نتيجة. في أحد الأيام، مشيت أكثر من ساعتين للوصول إلى مكان قيل لي إنه يتوافر فيه إنترنت، لكنني وجدت أنه ممتلئ تماماً بالناس، ولم أستطع استخدامه». ويتابع أن «عدم وجود الإنترنت جعل من معرفة أماكن توزيع المساعدات أو قراءة الأخبار لمعرفة الوضع مهمتين مستحيلتين». أما تهاني، الابنة الكبرى البالغة من العمر 10 سنوات، فتشعر بفقدان الإنترنت بشكل كبير؛ إذ تقول إنها كانت تستخدمه لتتعلم وتتابع دروسها، «لكنني الآن لا يمكنني الوصول إلى أي شيء. حتى الألعاب التي كنت ألعبها مع إخوتي توقفت لأن الإنترنت غير موجود».

إعادة بناء قطاع الاتصالات في غزة تتطلب استثمارات ضخمة وتعاوناً دولياً عاجلاً

من صاحب شركة إلى بائع خضروات
في حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، كان يوسف الخطيب ذو الـ35 عاماً، يدير شركة اتصالات وإنترنت ناجحة، تُعد شريان حياة لأهالي الحي، حيث وفّرت خدمات الاتصال لآلاف المنازل والمؤسسات، رغم ظروف الحصار وشح الموارد. لكن الحرب التي اندلعت في السابع من تشرين الأول 2023، غيرت كل شيء؛ ففي إحدى الغارات الجوية، تحولت شركة الخطيب إلى كومة من الركام. «لم أستطع تصديق ما رأته عيناي، فقد خسرت كل شيء في لحظة واحدة»، يقول الخطيب بحزن بينما يجلس أمام خيمته في دير البلح وسط القطاع، والتي نزح إليها مع أسرته بحثاً عن الأمان. ومع انهيار قطاع الاتصالات في غزة، وتدمير البنية التحتية بشكل شبه كامل، لم يجد الخطيب فرصة للعودة إلى مهنته أو البدء من جديد. وفي هذا الإطار، يقول إنه «حتى لو أردت إعادة بناء شركتي، لا توجد شبكة اتصالات يمكن العمل عليها. نحن نعاني من انقطاع شامل». ويضيف أنه اضطرّ، تحت ضغط الحاجة إلى توفير لقمة العيش لأطفاله الثلاثة، إلى تغيير مسار حياته بالكامل؛ إذ بدأ يعمل كبائع خضروات على عربة صغيرة في سوق دير البلح، وهو أمر يصفه بـ«الوسيلة الوحيدة لإعالة عائلتي». ورغم محاولاته التأقلم مع واقعه الجديد، إلا أن الرجل ما يزال يعيش في ظل أحلامه المدمرة، ومن بينها «العودة يوماً ما إلى عملي، لكن الحرب تركتنا بلا أمل. نحن هنا نحاول البقاء فقط».

قطع شريان الحياة
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، محمد أبو جياب، أن خسارة قطاع الاتصالات في غزة «ليس مجرد فقدان لخدمة تقنية، بل هو انهيار لبنية تحتية حيوية أثرت على كل تفاصيل حياة السكان»، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن الاتصالات «كانت تلعب دوراً رئيسياً في تسهيل الحياة اليومية، حيث يعتمد عليها المواطنون في التواصل مع العالم الخارجي، وتنسيق جهود الإغاثة، والعمل من بعد، وحتى في التعليم الإلكتروني. لكن انقطاع هذه الخدمات يعني أن السكان باتوا معزولين بالكامل عن العالم، ما يفاقم معاناتهم الإنسانية ويعقّد قدرتهم على التعامل مع الأزمات».
ويوضح أبو جياب أن تدمير الأبراج ومراكز الشبكات تسبب في شلل كامل لعدد من القطاعات، وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الإنترنت لتقديم خدماتها أو التواصل مع عملائها، لافتاً إلى أن «الشركات التي كانت توفر خدمات الإنترنت أو تدير عمليات تجارية عبر الشبكة فقدت قدرتها على العمل، ما زاد من معدلات البطالة ودفع الكثير من أصحاب الأعمال إلى البحث عن مصادر دخل بديلة».
كما يشير إلى أن تضرر قطاع الاتصالات أدى إلى عرقلة التحويلات المالية، التي تعتمد عليها آلاف الأسر لتلقي الدعم من الخارج، مبيناً أن «الأزمة لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تشمل المنظمات والمؤسسات الإنسانية، والتي تجد صعوبة في إيصال المساعدات للسكان بسبب انقطاع الاتصالات أو بطئها». وينبه إلى ما تتطلّبه إعادة بناء قطاع الاتصالات في غزة من استثمارات ضخمة وتعاون دولي عاجل، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في القطاع بشكل غير مسبوق.

عبدالله يونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *