أخبار عربية ودولية

هبّة رومانية بوجه حلفاء بروكسل: كفى ليّاً للديمقراطية

لندن | تظاهر عشرات آلاف الرومانيين في بوخارست، أولَ أمس، احتجاجاً على قرار المحكمة الدستورية العليا، الشهر الماضي، إلغاء الانتخابات الرئاسية، وللمطالبة باستقالة الرئيس المنتهية ولايته، كلاوس يوهانيس (ليبرالي وسطي)، واستكمال العملية الديمقراطية لانتخاب خليفة له، متّهمين النخبة الليبرالية الحاكمة بسرقتها، بالتواطؤ مع بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي). وفيما كان من المفترض أن يغادر يوهانيس منصبه في الـ21 من الشهر الماضي، يبدو أنه سيبقى إلى حين إجراء انتخابات رئاسية جديدة قد تُعقد في أيار المقبل. وكانت المحكمة العليا أمرت بإعادة إجراء الانتخابات، لكنّ حكومة الائتلاف الليبرالي لم تقرّ بعد جدولاً زمنياً محدّداً لعقدها، على الرغم من أن قادة الأحزاب السياسية وافقوا على مبدأ تنظيم الجولة الأولى من الاقتراع في الرابع من أيار، على أن تجري جولة الإعادة – في حال لم ينجح أيّ من المرشحين في الحصول على أكثر من 50% من مجموع الأصوات – في الـ18 منه؛ علماً أن المحكمة ألغت في الـ16من كانون الأول الماضي، الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، قبل يومين من موعد الاقتراع، وشطبت نتائج الجولة الأولى، وذلك بزعم أن روسيا استخدمت تطبيق «تيك توك» للترويج لكلين جورجيسكو، المرشّح القومي المستقلّ، والذي تقدّم بشكل حاسم في تلك الجولة، ما أثار استهجاناً واسعاً بين الناخبين. وجاء قرار المحكمة غير المسبوق في أيّ دولة غربية، بعدما نشرت وكالة الاستخبارات الرومانية وثائق قالت إنها تشير إلى محاولات روسية لتقويض الانتخابات والعملية الديمقراطية في البلاد. وادّعت بأن الوثائق التي رفعت عنها السريّة من دون مقدّمات، تظهر أن «روسيا استهدفت رومانيا كدولة معادية من خلال حملة مكثّفة على تطبيق تيك توك، تضمّنت إطلاق آلاف الحسابات المؤيّدة لجورجيسكو قبل أسبوعين فقط من التصويت في الجولة الأولى».


ووفقاً لمنظّمي التظاهرات، فإن أكثر من 100 ألف شخص شاركوا في المسيرة الاحتجاجية الرئيسية، لكنّ شرطة مكافحة الشغب قدّرت الأعداد بنحو 20 ألفاً. وقال جورج سيميون، زعيم «التحالف من أجل توحيد الرومانيين» القومي المعارض (أقصى اليمين) وثاني أكبر أحزاب البلاد، للصحافيين على هامش التظاهرات: «نطالب بالعودة إلى الديمقراطية من خلال إجراء الجولة الثانية من الانتخابات»، فيما حمل بعض المتظاهرين صوراً لجورجيسكو أو أيقونات المسيحية الأرثوذكسية في بحر من الأعلام الرومانيّة. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيُسمح لجورجيسكو – الذي يعارض الدعم الروماني لأوكرانيا ضد الغزو الروسي، ولديه ملاحظات حول الأسلحة الاستراتيجيّة التي تنشرها الولايات المتحدة في البلاد تحت غطاء «الناتو» – بالترشّح للرئاسة مرّة أخرى؛ علماً أن كلين جورجيسكو (62 عاماً) حصل على 23% من مجموع أصوات الناخبين في الجولة الأولى التي أجريت في الـ25 من تشرين الثاني الماضي، متقدّماً على الزعيمة الليبرالية، إيلينا لاسكوني (52 عاماً)، التي حصلت على 19%، متفوّقةً بشكل طفيف على رئيس الوزراء الحالي، مارسيل سيولاكو، الذي حلَّ ثالثاً. وبالنظر إلى عدم حصول أيّ من المرشحين على أكثر من 50% من أصوات الجولة الأولى، فقد كان من المحتّم، وفق الدستور الروماني، إجراء جولة إعادة في الثامن من كانون الأول، بين المرشّحَين الأوّلَين.

أثار فوز جورجيسكو في الجولة الأولى من الرئاسيات ما يشبه الصدمة للطبقة السياسية الليبرالية في البلاد


ومنحت استطلاعات الرأي قبل التصويت في جولة الإعادة التي تمّ إلغاؤها، جورجيسكو تقدُّماً مريحاً على لاسكوني، بـ58% في مقابل 42% من مجموع الأصوات.
وتسبّب قرار المحكمة غير المسبوق، بانتقادات واسعة في رومانيا وخارجها، إذ أغرق الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي و«حلف شمال الأطلسي» في لجة فوضى سياسية، معمّقاً من حالة الاستقطاب بين كل من أنصار بروكسل/ «الناتو»، وأولئك المتعاطفين تقليدياً مع روسيا. ومن جهته، وصف جورجيسكو، قرار المحكمة بـ«الانقلاب»، متّهماً النخبة الحاكمة في رومانيا بأنها «أطاحت بالديمقراطية، وداستها بالأقدام»، ما دفعه إلى تقديم طعن في القرار أمام محكمة استئناف محلية، وشكوى إلى «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان».


وكان فوز جورجيسكو في الجولة الأولى من الرئاسيات، أثار ما يشبه الصدمة للطبقة السياسية الليبرالية في البلاد، إذ أَطلق إشارات إنذار في كل من واشنطن وبروكسل بسبب انتقاداته اللاذعة لـ«الأطلسي» والاتحاد الأوروبي، وتهديده بإنهاء جميع المساعدات لأوكرانيا، وإشاداته المتكررة بـ«الحكمة الروسية» في تشكيل السياسة الخارجية، ما أثار مخاوف حيال إدارة رومانيا ظهرها للغرب، والعودة مجدّداً إلى مدار موسكو.


ووفقاً للنظام السياسي الروماني، يكون الرئيس هو رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول عن السياسة الخارجية، ولديه الحقّ في ترشيح رئيس للوزراء وإجراء محادثات ائتلافية لتشكيل الحكومات. وبالتالي، فإن وجود مشكّك في «الناتو»، مثل جورجيسكو، في قصر كوتروتشيني الرئاسي في بوخارست، يمكن أن يخلق مشاكل عويصة لبروكسل وللحلف معاً؛ إذ من شأن ذلك أن يزيد من ثقل التيار اليميني المشاغب داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والذي يتبنّى تقليدياً مواقف تعرقل اعتماد السياسات الليبرالية ذات الصبغة المركزية، ما يصعب من عمليّة اتخاذ القرارات، ويفرض على بيروقراطية المفوّضية الأوروبية تقديم تنازلات. كذلك، تكتسب رومانيا، الدولة العضو في «الناتو» منذ عقدين من الزمن، موقعاً حسّاساً بالنسبة إلى الهيمنة الأميركية، حيث يمتلك الجيش الأميركي قاعدة جوّية في جنوب البلاد (قاعدة ميخائيل كوغالنيتشيانو) تتمّ توسعتها الآن، لتصبح أكبر قاعدة عسكرية جوية في أوروبا، فيما للجمهورية حدود طويلة مع أوكرانيا، حيث تجري المنازلة الروسية – الأميركية، فضلاً عن أن سواحلها عبر البحر الأسود تطلّ على شبه جزيرة القرم الروسية، وهي تستضيف على أراضيها نظام دفاع صاروخياً أميركياً متقدّماً كان جورجيسكو انتقد نشره في بلاده، مصوّراً الأمر على أنه «عار قومي»، وإنْ لم يدعُ يوماً إلى ترك بلاده عضوية الاتحاد الأوروبي أو «الناتو».


ويمثّل جورجيسكو نقيضاً لكل توجهات النخبة الليبرالية السياسية، والتي سيطرت على البلاد منذ سقوط النظام الشيوعي، ويقدّم نفسه مسيحياً متديّناً يدعم القيم العائلية المحافظة، ومناهضاً للنخبة الحاكمة الفاسدة، وقد حظي بالفعل بتأييد واسع بين الناخبين المتديّنين في الأرياف المهمّشة، ووجد له شعبية واسعة بين الشبان الصغار السن، الغاضبين من الفساد المستحكم ببلادهم، كما حصل على أصوات 43% من الناخبين الرومانيين المقيمين في الخارج، في وقت تكافح فيه الأحزاب الليبرالية الوسطية في رومانيا للاحتفاظ بمصداقيتها بعد سنوات من فضائح الفساد، وسياسات التقشّف التي أفقرت أكثرية الرومانيين.

سعيد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *