أخبار عربية ودولية

قلق أوروبي من صفقة “خاسرة”: ترامب يواصل التودّد إلى بوتين

لندن | بعد مكالمة هاتفية جمعته، مساء الأربعاء، إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عبر منصّته “تروث سوشال”، أن واشنطن وموسكو ستبدآن مفاوضات “فوريّة” لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بعد ثلاث سنوات من القتال. وكتب ترامب أنه ونظيره “اتّفقا على العمل معاً، عن كثب”، معرباً عن ثقته في أن المحادثات ستكون “ناجحة”، مشدّداً على ضرورة وقف نزيف الأرواح. ولفت إلى أن الزعيمَين اتّفقا أيضاً على تبادل الزيارات بينهما.

وتوّجت هذه المكالمة التي استمرّت نحو 90 دقيقة، تحوّلاً دراماتيكياً في النهج الأميركي لجهة التعامل مع روسيا، منذ تولّي ترامب مهامّ منصبه في الـ20 من كانون الثاني الماضي، ومن ثم إيفاده مبعوثه الخاص، ستيف ويتكوف، إلى موسكو، الثلاثاء، في مهمّة للإفراج عن مارك فوغل، المدرّس الأميركي المعتقل في روسيا منذ عام 2022، تكلّلت بالنجاح. وفي أعقاب ذلك، أدلى وزير الدفاع الجديد، بيت هيغسيث (صباح الأربعاء)، بتصريحات على هامش اجتماع “مجموعة الاتصال للدفاع عن أوكرانيا” (هيئة تنسيق إمدادات الأسلحة الغربية إلى نظام كييف)، في بروكسل، حدّد فيها الخطوط العريضة لاتفاق محتمل؛ فوصف العودة إلى حدود أوكرانيا قبل عام 2014، بـ”الأمر غير الواقعي”، معتبراً أن “ملاحقة هذا الوهم لن تؤدّي إلّا إلى إطالة أمد الحرب، والتسبُّب في مزيد من المعاناة”، كما استبعد مبدأ قبول عضوية أوكرانيا في “حلف شمال الأطلسي”، في أيّ وقت.

وعُلم أن ترامب أجرى، بعد مكالمته مع بوتين، اتصالاً بالرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أبلغه فيه بأن الولايات المتحدة ستقود المفاوضات مع روسيا، ولن تشرِك آخرين – أي كييف أو الاتحاد الأوروبي -، وأن شروط أوكرانيا المعلنة لقبول وقف الحرب – العودة إلى حدود ما قبل عام 2014 وعضوية الناتو -، ليست على الطاولة. وفيما اكتفى الرئيس الأميركي بالإشارة، عبر “تروث سوشال”، إلى أن اتصاله بزيلينسكي “سار بشكل جيّد للغاية”، فإن الرئيس الأوكراني قال إنهما تحدّثا طويلاً حول إمكانات تحقيق السلام، وتفاصيل المكالمة مع بوتين، إضافة إلى نقله الصورة لترامب عن الوضع على الجبهة ووجود قوات كورية شمالية تدعم الجيش الروسي في إقليم كورسك الروسي، حيث حقّق الأوكرانيون اختراقاً عسكرياً قبل عدة أشهر. ومن جهته، سارع ترامب إلى إصدار تعليماته لتشكيل فريق تفاوض مع روسيا يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ومستشار الأمن القومي مايك والتز، وكذلك المبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

لكن مكالمة ترامب – بوتين قُدّمت في موسكو بصورة أقلّ تفاؤلاً، إذ قال الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، إن الزعيمَين اتّفقا على أن “الوقت قد حان لكي يعمل بلدانا معاً لوقف الصراع”، لكنه شدّد على “ضرورة تسوية الأسباب التي قادت إليه في المقام الأول”. وأبلغ بيسكوف، الصحافيين أن بوتين دعا ترامب إلى زيارة موسكو، وأنه سيجتمع مع مسؤولين أميركيين لمناقشة “قضايا ذات اهتمام مشترك”، وأنهما تحدّثا أيضاً في شأن التعاون الاقتصادي، وإيران.

ثمّة خشية واسعة بين الأوروبيين، من أن الأميركيين سيحصلون على صفقة تنهي الصراع وفق الشروط الروسية

ويزعم خبراء في الشأن الروسي أن آفاق المفاوضات المتوقّعة مع الجانب الأميركي ليست محدّدة بعد، ولكنّ مزاجاً من الارتياح ساد حتماً في الكرملين، بعدما حقّق بوتين ما يشبه “الانتصار الدبلوماسي” بمجرّد حصول المكالمة الهاتفية مع ترامب، بعد سنوات من القطيعة والعداء والحرب غير المباشرة بين البلدين. ويبدو أن تخلّي الرئيس الروسي عن حليفه، الرئيس بشار الأسد، ومسارعته إلى التواصل مع الإدارة الجديدة لسوريا، قد عبّدا الطريق أمام تفاهم مع الأميركيين ينهي الصراع في أوكرانيا التي كلّفت موسكو كثيراً، سواء في الأرواح والمعدات، أو على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي.

على أن هذه الأنباء لم تجد لها أصداء إيجابية في أوروبا، التي ظهرت وكأنها تكتفي بمتابعة التحديثات الإخبارية من مقاعد المتفرجين. وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، التقت، الثلاثاء، نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، في مقر السفارة الأميركية في باريس، فيما لم تعكس تصريحات الطرفين بعدها أن أوكرانيا كانت موضع نقاش. كذلك، لم يحصل الأوروبيون حتى على اسم شخص محدّد في الإدارة الأميركية يمكنهم من خلاله التفاهم حول مسألة التعرفات الجمركية التي أعلنت واشنطن فرضها، والتي قد تتسبّب بحرب تجارية عبر الأطلسي.

ويأمل القادة والوزراء الأوروبيون في الحصول على مزيد من الإيضاحات في شأن نوايا ترامب حول أوكرانيا من نائب الرئيس الأميركي، ومبعوثه إلى أوكرانيا كيث كيلوغ، على هامش “مؤتمر ميونيخ للأمن” الذي ينطلق اليوم، وإنْ كان مسؤولون في “الناتو” أعربوا عن قناعتهم بأن كيلوغ، الذي لم يضمّه الرئيس ترامب إلى فريق تفاوضه مع روسيا، لن يدلي بأيّ تفاصيل محدّدة في هذه المرحلة، “لأنه ببساطة لا يعرف”. وثمّة خشية واسعة بين الأوروبيين الآن، من أن الأميركيين سيحصلون على صفقة تنهي الصراع وفق الشروط الروسية، تتيح للولايات المتحدة احتكار ثروات أوكرانيا، وتضمن ليونة روسية تجاه الملف الإيراني – على غرار الليونة في سوريا -، على أن يترك لهم – أي الأوروبيين – تالياً، التكاليف الباهظة لإعادة الإعمار، ونشر قوات أوروبية لحفظ الأمن، وتنفيذ الاتفاقات على الأرض. وأكّد وزير الدفاع الأميركي هذه الهواجس، بعدما استبعد نشر قوات أميركية أو أيّ دور لـ”الأطلسي” في تنسيق العمليات على الأرض بعد انتهاء الصراع، قائلاً إن “أيّ ضمانات أمنية يجب أن تكون مغطاة بقوات أوروبية وغير أوروبية قادرة”.

ووفقاً لمسؤول أوروبي في المفوضية تحدّث إلى صحيفة بريطانية، فإن “الأميركيين لا يرون أيّ دور لأوروبا في المسائل الجيوسياسية الكبرى المتعلّقة بالحرب”، وإن “ترامب ينظر إلينا كمصدر للأموال فحسب”. ومن جهته، أعرب وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، أمس، عن أسف بلاده “لأن واشنطن قدّمت تنازلات لموسكو قبل بدء محادثات السلام”، بما في ذلك استبعاد مبدأ عضوية أوكرانيا في “الناتو”، محذّراً قبل افتتاح اجتماع لوزراء دفاع الحلف في بروكسل من أن التهديد الذي تمثّله روسيا، لن يتلاشى في حال توقيع اتفاق سلام بهذه الصيغة التي يتحدّث عنها الأميركيون.

وبينما اتفقت ست عواصم أوروبية، بما فيها برلين وباريس ولندن، على ضرورة إشراكها والأوكرانيين في المفاوضات، أعرب مسؤولون في كييف عن إحباطهم الشديد من “بلادة القادة الأوروبيين” الذين “ينتظرون أن يخبرهم ترامب بما يجب عليهم فعله”، في حين شرعت كييف، بناءً على ذلك، في التحضير لخطط لتبادل أراضٍ مع روسيا، وترتيبات لاستدعاء قوات أوروبية لتساندها في حفظ الأمن في حال إنجاز اتفاق أميركي – روسي محتمل.

سعيد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *