إن انتصر الخيار الديبلوماسيّ على العسكري.. ما المطلوب؟
توقفت مراجع ديبلوماسية وسياسية أمام مجموعة مواقف رجّحت الخيار الديبلوماسي على كل الخيارات الأخرى بما فيها العسكرية، لمواجهة خروقات إسرائيل وضمان انسحابها من النقاط الخمس التي احتفظت بها على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة. ولفتت إلى أنّ مثل هذا الخيار هو الأفضل، بعدما أفضت الحرب إلى أضرار كبيرة ببلد لم يَعُد يتحمّل المزيد. لكن على المسؤولين عدم تجاهل المقوّمات الضرورية لنجاح الحملات التي بدأها لبنان. وهذه عيّنة منها.
لم تنجح سلسلة الضغوط التي مارسها لبنان أكثر من مرّة لتطبيق ما قال به تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 من ضمن المهل التي تقرّرت برعاية غير مسبوقة وفّرها الرئيسان الأميركي السابق جو بايدن الذي كان يغادر البيت الأبيض والفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يجهد ليل نهار لتحقيق مكسب كبير في لبنان والمنطقة ما زال بعيد المنال.
ولذلك، فقد عبرت مهلة الأيام الـ60 من دون أن تتحقق أي خطوة باستثناء إخلاء القطاع الغربي من قوات الاحتلال في أقل من 6 ساعات بدفع قوي من الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكشتاين قبل أيام قليلة على نهاية مهمّته، معتبراً أنّه قدّم هدية لتسهيل انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية بعد يومَين من تلك المرحلة التي واكبت زيارته الأخيرة للجنوب ولقائه اليتيم مع أعضاء لجنة الإشراف الخماسية المكلفة تطبيق بنود التفاهم.
وهي عملية بقيَت محدودة للغاية، ولم تتكرّر أي خطوة مثيلة لها في القطاعَين الأوسط والشرقي بعد أن تمّ تمديد الاحتلال للمنطقة إلى 18 من شباط لأسباب فارغة من مضمونها إن قيست بالظروف التي رافقت التوصل إلى تجميد العمليات العسكرية سوى أنّها أعطت قوات الاحتلال مهلة إضافية لتدمير ما يمكن تدميره من المنشآت الحيوية في المناطق المحتلة عدا عن الأحياء السكنية، للقضاء نهائياً على مقوّمات الحياة في أكثر من 50 مدينة وقرية لبنانية كانت قد انتعشت لسنوات تلت صدور القرار 1701 نهاية حرب تموز 2006 بأيامها الـ 33، إلى درجة تباهى بها اللبنانيون لسنوات عدة قبل أن يتبدّل المشهد كلياً بمختلف مظاهره السلبية إلى درجة افتقدت فيها المنطقة مظهرها المدني والإنمائي والجغرافي إلى أن تحوّلت منطقة منكوبة تغيّرت معالمها لتستحيل فيها الحياة.
وانطلاقاً من هذه المؤشرات، فقد توقفت المراجع الديبلوماسية والسياسية أمام اضطرار الجميع الذين انخرطوا في الحرب الأخيرة إلى إعادة العمل بالقرار 1701 وإنعاشه مجدّداً بمختلف المراحل التي قال بها ولم تُنفّذ على مدى 18 عاماً إلى أن استقرّ الرأي مجدداً على إعادة العمل بتجميد العمليات العسكرية في 27 تشرين الثاني الماضي كما قال به عام 2006، من دون أي آلية واضحة ومبرمجة من أجل التوصل إلى وقف دائم ونهائي لإطلاق النار. حتى انّ المفاوض اللبناني نسي انّ لدى اسرائيل عدداً من الأسرى من مقاتلي «حزب الله»، وإلزامها بوقف العمليات الهندسية في المناطق المحتلة قبل ان تمعن في تدمير كل مظاهر الحياة فيها.
ولمّا تمّ التفاهم على تأجيل الانسحاب إلى 18 شباط الجاري، على وقع التعهّد الأميركي بتأمين الإفراج عن المعتقلين والأسرى وبرمجة الانسحاب بطريقة تنهيه قبل الموعد الجديد، عبرت المهلة الثانية ولم يعد أي أسير لا بل ازداد عدد المعتقلين لدى إسرائيل من أبناء القرى الذين تجرؤا على دخول قراهم فوقعوا في الأسر. بالإضافة إلى انّه ومنذ العام 2006 كان لبنان يفاوض برعاية الأمم المتحدة لتثبيت الحدود اللبنانية المرسومة مع فلسطين المحتلة منذ العام 1923، ومعالجة 13 نقطة احتلتها إسرائيل على مراحل منذ العام 1948، وبات عليه من اليوم أن يفاوض لمعالجة 20 نقطة محتلة ومتنازع عليها، بعدما أضافت إسرائيل النقاط السبع المحتلة التي كان عليها الانسحاب في نهاية المرحلة الثانية.
وبناءً على كل ما تقدّم بما فيه من هفوات وأخطاء سياسية وديبلوماسية، فقد لفتت المراجع عينها إلى انّ على المسؤولين اللبنانيين من أعلى الهرم بعد انتخاب رئيس للجمهورية وولادة حكومة بكل مواصفاتها الدستورية وبوجود مجلس نيابي قام بواجبه اخيراً بانتخاب رئيس للجمهورية بعد 26 شهراً من خلو سدّة الرئاسة، ان ينتبهوا إلى أنّ إقفال كل الأبواب إلى الخيارات العسكرية له أسبابه الموجبة، من أجل التثبت من أهمية الخطوة وجدواها. فالجميع يدرك أنّ الاسرائيلي أخلّ بتعهده الانسحاب من آخر شبر احتله من لبنان. وهو ما أقدموا عليه في بيانهم الموحّد إثر لقاء الثلاثاء الماضي وإطلاقهم المسار الديبلوماسي بدءاً من التوجّه إلى مجلس الأمن الدولي لتطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته. كما جاءت مطالبتهم سوريالية إلى حدّ ما بـ «اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الخروقات الإسرائيلية وإلزام إسرائيل بالانسحاب الفوري حتى الحدود الدولية، واعتبار استمرار الوجود الإسرائيلي في أي شبر من الأراضي اللبنانية هو احتلال مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية وفق الشرعية الدولية»، ما لم تترافق هذه الخطوة بما يلزمها من إجراءات داخلية لا بدّ منها ولا يمكن تجاهلها.
وتنتهي المراجع إلى القول، انّ تجاوب المجتمع الدولي مع مطلب لبنان يفرض عليه استكمال ما تقرّر من خطوات تنهي أي دور او مظهر للسلاح المتفلت من الشرعية أينما وجد على كل الاراضي اللبنانية وتفكيك مصانعه وإفراغ مخازنه، لتبقى السلطة مناطة بمن سمّاهم التفاهم القوى العسكرية والأمنية وحتى البلدية. وإنّ أي خطوة استباقية لكل هذه المحطات ستبقى حبراً على ورق، وان ظلت مواقف اللبنانيين تحاكي بعض الداخل لتجاوز ما أصابه من نكبة حقيقية في الحرب الأخيرة أن يفكر بطريقة لتنفيذ هذه التعهدات في مهلة محدّدة لا تتعدّى الأشهر الستة قبل المطالبة بأي حل شامل ووقف نهائي للنار وإطلاق عمليات البناء والأعمال والإنقاذ والتعافي، وأي كلام آخر يبقى موجّهاً إلى الجبهة الداخلية ولن يلقى آذاناً صاغية في أي عاصمة او دولة اخرى نراهن على مساعدتها.
جورج شاهين

