المقاومة العراقية مستنفرة: في انتظار إشارة الرد
بغداد | لم تمض ساعات على الضربة الأميركية لمنشآت نووية إيرانية، حتى بدأت الارتدادات في عواصم المنطقة، وفي مقدّمتها بغداد، حيث دخلت التطورات منعطفاً بالغ الخطورة، مع اتّساع التقديرات بأن الردّ الإيراني ربما يشمل «محور المقاومة»، الذي يُعدّ العراق إحدى ساحاته الحيوية. وفي العراق، حيث ينتشر نحو 2500 جندي أميركي في قواعد عدة، أبرزها «عين الأسد» غرب البلاد و»حرير» في أربيل، رفعت الفصائل المسلحة منسوب التحذير. وكشفت مصادر مطّلعة في بغداد، لـ»الأخبار»، أن بعض هذه الفصائل «دخلت بالفعل حالة استنفار قتالية منذ ساعات»، مشيرة إلى «إعادة تموضع تشكيلات قتالية ونقل معدّات إلى مواقع ظلّ آمنة».
وفي الاتجاه نفسه، أكّد قيادي في فصيل مسلح بارز، في حديث إلى «الأخبار»، «أنهم أكملوا كلّ الاستعدادات اللوجستية والعسكرية لتنفيذ ضربات دقيقة على قواعد أميركية في حال صدور أيّ إيعاز من قيادة المحور»، مضيفاً أن «الرسالة الأميركية إلى طهران وصلت، لكنّ الرد لن يكون رسائل. سيكون عملياً، وموجعاً، وقد يبدأ من العراق». وأشار القيادي الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إلى أن «الفصائل العراقية ليست مجرد وكلاء، بل شركاء في القرار».
في المقابل، حذّر الخبير الأمني العراقي، حسين الجبوري، من ما سمّاها «المخاطر الكارثية لانخراط الفصائل العراقية مباشرة في هذا الصراع، خصوصاً أن قواعد الاشتباك لا تزال غامضة، والدخول المباشر قد يعني تحوّل العراق إلى ساحة حرب طويلة المدى». ولفت الجبوري، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «الوجود الأميركي في العراق ليس محدوداً، بل يمتد من غرب البلاد إلى شمالها، وحتى التنف في المثلّث الحدودي مع سوريا والأردن، وبالتالي فإن أي استهداف مباشر سيقود إلى ردّ أميركي محتمل داخل الأراضي العراقية».
تحذيرات من أن أيّ استهداف مباشر سيقود إلى ردّ أميركي داخل الأراضي العراقية
وعلى المستوى السياسي، قال مصدر في «الإطار التنسيقي» إن «اجتماعاً للرئاسات الثلاث عُقد لمناقشة تداعيات الضربات الأميركية الأخيرة التي استهدفت منشآت نووية في إيران، وبحث سبل تحصين الموقف العراقي من أي تصعيد محتمل في الإقليم». وأضاف المصدر، في تصريحات إلى وسائل إعلام محلية، أن «الاجتماع تناول خطورة انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع، خاصة بعد دخول الولايات المتحدة بشكل مباشر على خط التصعيد إلى جانب إسرائيل، وهو ما قد يؤدي إلى كارثة إقليمية»، متابعاً أن «المجتمعين بحثوا آلية دبلوماسية لنزع فتيل الأزمة، واتخاذ موقف عراقي موحّد لرفض الحرب ووقف تداعياتها».
وفيما تزداد الاستعدادات على الأرض، تسعى الحكومة العراقية لامتصاص التوتر ومحاولة تجنيب البلاد الانزلاق إلى المواجهة. لكنّ مهمّتها تبدو شديدة الصعوبة، خصوصاً مع الانقسام الداخلي حيال الوجود الأميركي، وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات، فضلاً عن حساسية الموقع العراقي جغرافياً واستراتيجياً.
ومن الناحية الاقتصادية، يحذّر خبراء من أن إشعال الجبهات في الخليج، وخصوصاً استهداف الملاحة في مضيق هرمز، حيث يمر نحو 20% من النفط العالمي، سيؤدي إلى قفزات في أسعار النفط وتداعيات تضرب اقتصادات الدول المستوردة في آسيا وأوروبا، وهو ما يعيد سيناريوات ما قبل الغزو الأميركي للعراق، لكن بنسخة أوسع وأكثر تعقيداً. وهكذا، تبدو المنطقة بأكملها أقرب من أي وقت مضى إلى حرب مفتوحة، تُقرّرها التقديرات في طهران، وترسم معالمها المواقف في بغداد، وتُشعلها خطوط تماسّ تمتد من الخليج إلى المتوسط.
وعلى هذه الخلفية، حذّر السياسي المقرّب من رئيس الوزراء العراقي، عائد الهلالي، من تحوّل العراق الى ساحة اشتباك إقليمي مباشر بعد التصعيد الأخير. وقال، لـ»الأخبار»، إنه «مع تدخّل الولايات المتحدة بشكل واسع في الحرب الدائرة بين إيران والكيان الصهيوني، تقف الساحة العراقية على مفترق طرق خطير، وتحديداً أمام الوعيد الذي أطلقته الفصائل المسلّحة العراقية بالانخراط الفوري في المواجهة.
فالتصريحات التي صدرت عن قادة تلك الفصائل لم تكن مجرد تهديدات إعلامية، بل تحمل في طياتها نذر تحوّل العراق إلى ساحة اشتباك إقليمي مباشر». وأضاف أنه «إذا دخلت الفصائل العراقية ساحة المعركة كما وعدت، فإن العراق سيدفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره واقتصاده، بل وربما من وحدته الوطنية. والفصائل تمتلك قوة نارية وبنية تنظيمية عالية، ولكنّ تحرّكها خارج إطار الدولة سيُفقد العراق ما تبقّى له من سيادة، ويحوّل أراضيه إلى منصة لتصفية الحسابات الدولية».
وفي ما يؤكّد مخاوفها من استهدافات في العراق، أكدت السفارة الأميركية في بغداد أن «ثمة احتمالات متزايدة لعنف من منظمات إرهابية أجنبية أو هجمات ضد شركات ومواقع أميركية»، وحثّت في بيان «الأميركيين في العراق على تجنّب المواقع التي يتردّد عليها الأجانب وأي تجمعات كبيرة».
فقار فاضل

