أخبار لبنانية

حين تتحوّل السلطة إلى وكيل للاحتلال: في حقّ الشعوب بمقاومة الهيمنة المقنّعة

في لحظات التحوّلات العميقة في التاريخ، لا تكون الأزمة مجرّد عثرة مؤقتة في مسار الدولة، بل تصبح مرآة تعكس الانفصام الجذري بين من يحكم ومن يُحكم. وتبلغ الأزمة ذروتها حين يدرك الشعب أنّ السلطة التي تُفترض فيها تمثيل إرادته وسيادة قراره الوطني، قد انقلبت إلى أداة طيّعة في يد الهيمنة الخارجية، تمارس القمع لا من أجل حماية الدولة، بل من أجل تنفيذ أجندات ليست من نسيج المجتمع ولا من مصلحته. هنا، تُطرح المسألة الأخلاقية والسياسية والفلسفية الكبرى: هل للشعب حق في مقاومة هذه السلطة؟ وهل تتحوّل الشرعية إلى مقاومة لا إلى طاعة؟

أولاً: من السيادة إلى التبعيّة

يرى جان جاك روسو في العقد الاجتماعي أن «السيادة لا يمكن أن تُجزّأ، وأن إرادة الشعب هي مصدر الشرعية الوحيد»[1]. وحين تتنازل السلطة عن هذه الإرادة لصالح قوى خارجية — اقتصادية كانت أم عسكرية أم سياسية — فهي تفرّط بالشرعية ذاتها. لم يعد الحاكم حاكماً، بل أصبح موظفاً لدى قوة أجنبية. في هذا السياق، تصبح المقاومة ليست خروجاً عن القانون، بل إعادة تأسيس له على قاعدة المصلحة الوطنية والحق الشعبي.
أما أنطونيو غرامشي، فشرح ببراعة كيف يمكن للهيمنة أن تعمل ليس فقط عبر العنف، بل عبر «القبول» الاجتماعي الناتج من الاختراق الثقافي والسياسي للنخب المحلية التي تتبنّى خطاب السلطة الخارجية[2]. وحين تصير السلطة ذاتها جزءاً من هذه النخبة، تكون قد فقدت أهليّتها التمثيلية.

ثانياً: الحق في المقاومة ليس فوضى بل دفاع عن الكرامة

تاريخ الشعوب يثبت أن المقاومة لم تكن دائماً موجهة ضد احتلال مباشر، بل في كثير من الأحيان ضد سلطات محلية عميلة للاحتلال. فالانتفاضات التي شهدتها أمريكا اللاتينية، من نيكاراغوا إلى تشيلي، لم تكن ثورات ضد «الدولة» بحد ذاتها، بل ضد أنظمة حكم انخرطت في مشاريع التبعية للولايات المتحدة وقمعت شعوبها لصالح «الشركات المتعددة الجنسيات» والمؤسسات الأمنية الأمريكية[3]. المثال البارز كان في مقاومة نظام سوموزا في نيكاراغوا، الذي اتضح أنه أكثر إخلاصاً للسفارة الأمريكية من إخلاصه لشعبه.
وفي التجربة العربية، شكّلت الثورة الجزائرية نموذجاً آخر، إذ تعاملت مع السلطة الاستعمارية الفرنسية التي لم تكن فيزيائياً فقط «قوة خارجية»، بل حاولت أن تُضفي على نفسها طابعاً «مواطَنيًا» عبر تجنيد الجزائريين أنفسهم ضمن أدوات القمع [4]. وكانت نتيجة ذلك، أن المقاومة وجدت نفسها مضطرة إلى مواجهة مواطنين محلّيين يعملون بالوكالة عن المشروع الكولونيالي، ما يجعل تعريف العدو أكثر تعقيداً، ولكن لا يقلل من مشروعية النضال.

ثالثاً: الشرعية والعدالة في فلسفة الحق

من منظور فلسفة القانون، خصوصاً عند هانس كلسن، فإنّ النظام القانوني يفقد مشروعيته إذا انقطع عن «القاعدة الأساسية» التي تمنحه وجوده الرمزي، وهي رضى المحكومين وارتباط النظام بالعدالة [5]. فإذا تحوّل النظام إلى أداة قمع ضد هذا الرضى، خدمةً لقوى خارجية، فهو يكون قد فقد كلّ مشروعية أخلاقية أو قانونية. لا غرابة إذًا في أن يعتبر الفيلسوف الأمريكي جون رولز أنّ «العصيان المدني» يصبح واجباً حين تتحوّل الدولة إلى بنية ظالمة بشكل ممنهج [6].

حين تفرغ الدولة
من مضمونها الوطني، وتتحوّل السلطة إلى
واجهة للوصاية الأجنبية، يصبح من المشروع أن يُعاد تأسيس الدولة
من جديد


وفي هذا الإطار، فإنّ تمسّك الشعب بحقّه في الدفاع عن استقلاله ليس تمرداً، بل التزام بالعدالة. فالاستقلال ليس راية وطنية ترفرف، بل شرط لحرية القرار، ومن دون حرية القرار، لا معنى للسيادة، ولا للمواطنة، ولا للدستور.

رابعاً: من المقاومة إلى إعادة التأسيس

حين تفرغ الدولة من مضمونها الوطني، وحين تتحوّل السلطة إلى واجهة للوصاية الأجنبية، يصبح من المشروع أن يُعاد تأسيس الدولة من جديد. وهذا التأسيس لا يتم عبر الفوضى، بل عبر العودة إلى جوهر العقد الاجتماعي: بناء دولة تعبّر عن مصلحة شعبها، وتكون وظيفتها الأساسية حماية الكيان الوطني من التغوّل الخارجي. فالسيادة لا تُطلب من الخارج، بل تُنتزع من الداخل، والشرعية لا تُستورد، بل تُبنى على قاعدة التمثيل الحقيقي.
كما يذكّرنا فرانتز فانون، فإنّ «تحرير الإنسان لا يتم إلا حين يتحرّر الوطن من تبعيّته، وحين يتوقّف الحاكم المحلي عن أن يكون امتدادًا لسيّده الخارجي» [7]. وتلك ليست دعوة إلى الثورة العمياء، بل نداء لإعادة وصل السياسة بالأخلاق، ولإعادة صياغة مفهوم السيادة على قاعدة المقاومة، لا على قاعدة الطاعة.

خاتمة

حين تغدو السلطة المحلية أداة للهيمنة الخارجية، لا يعود هناك فرق جوهري بينها وبين المحتلّ نفسه. وفي مثل هذه اللحظات، لا يصبح النضال من أجل التحرر حقّاً فقط، بل واجباً. المقاومة هنا ليست فوضى، بل فعل سيادي، وهي ليست نقضاً للدولة، بل محاولة لإنقاذها من نفسها، أو ممّا أصبحت عليه: واجهةً للاحتلال في ثوب محلّي.

المراجع:

[1] Rousseau, Du contrat social, 1762.
[2] Antonio Gramsci, Prison Notebooks, 1948.
[3] Greg Grandin, Empire’s Workshop: Latin America, the United States, and the Rise of the New Imperialism, 2006.
[4] Frantz Fanon, Les Damnés de la Terre, 1961.
[5] Hans Kelsen, Pure Theory of Law, 1934.
[6] John Rawls, A Theory of Justice, 1971.
[7] Frantz Fanon, Toward the African Revolution, 1964

كريم حداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *