هل يردع التكامل الإقليمي مخاطر التوسّع الصهيوأمريكي؟
أخيراً أعلن بنيامين نتنياهو مشروعه الإمبراطوري شبه الخرافي. قال إنه «منخرط في مهمة تاريخية وروحية توراتية، لتحقيق ما يجب أن تكون عليه خريطة إسرائيل الكبرى»، وقد تبيّن أنها تضمّ كل فلسطين التاريخية وأجزاء من لبنان وسوريا والأردن والعراق وتركيا، كما أجزاء من مصر والسعودية وساحل الخليج. يبدو أنه استلهم من التوراة زعمها أن «كل أرض تطأها أقدامكم تكون لكم». بعد شطحاته الروحانية – السياسية، أصبح بإمكان اليهود الصهاينة الادعاء بأن «كل ما يحلم به نتنياهو سيكون لنا»!
قبل أن تدوّي في عواصم العرب صيحات تنديد طنانة من حكام تقليديين، كأنها تؤكد مقولة عبد الله القصيمي، بأنهم ولفيفهم مجرد ظاهرة صوتية، كان مفكرون طليعيون من العرب النهضويين، يكشفون ويوثّقون ما نحن فيه من انحطاط وفساد وتشرذم واحتلال، ويرسمون بالعِلم والحُلُم وإرادة التغيير والتحرير، مشروعَ النهضة والارتقاء إلى مستوى مواجهة تحديّات العصر، بمناهج وآليات نابعة من صميم حاجاتنا الوجودية والموضوعية.
أحد هؤلاء المفكر العربي المصري محمد السعيد إدريس، الذي جدّد طرح دعوة العالِم الاستراتيجي جمال حمدان، إلى قيام تحالف بين تركيا وإيران ومصر، كان أطلق عليه اسم «مثلث القوة الإقليمي»، مستدركاً ومُنبّهاً إلى أن القوى الإقليمية والدولية، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية و»اسرائيل»، تحسّبت لمخاطره على مصالحها ومطامعها، فتصدّت بالقوة لهذا المثلث الموعود، بوضع دوله أمام خيارين: قبول الاستيعاب والسحق، أو خوض معركة الحرية والاستقلال، ويرى إدريس أنه يقتضي مواجهة مشروع التوسّع الصهيوأمريكي وإسقاطه، باعتماد منهجية «التحدي والاستجابة « والاضطلاع بأربع مهام عاجلة:
المقاومة لا تكون بالسلاح فقط بل بكل الوسائل المتاحة والمشروعة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، وإنجازات العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
*تأكيد خيار التكامل الإقليمي بما هو الخيار الأرجح للخروج من النفق المظلم الذي ما زالت الدول الثلاث تائهة في أزقته.
*بلورة نموذج مفاهيمي يتجاوز الحدود الضيقة لمفهوم «الدولة الأمة» أو «الدولة القومية»، الذي جرت محاصرته بأنماط من الأيديولوجيات الوطنية المغلقة، ما أدى إلى انغلاق السبيل لتعامل إيران وتركيا منفردتين مع التحديات الهائلة المستحدثة على المستوى العالمي.
*مواجهة المشاكل والأزمات في الدول الثلاث بإيجاد حلول لها، سواء كانت مشاكل حدودية، أو مشاكل قومية.
*تركيز الاهتمام بابتداع الوسائل الكفيلة ببناء الثقة بين الدول الثلاث، وفي مقدّمها تكوين وعي إقليمي بالتكامل، كسبيل أمثل لمواجهة التحديات وتحقيق الطموحات، مع تعميق الوعي بخطورة التهديدات الوجودية، التي تواجه الدول الثلاث بفعل المشروع الاستئصالي الأمريكي-الإسرائيلي.
تبدو مقاربة محمد السعيد إدريس مقنعة بصورة عامة، غير أنها تفتقر إلى المنهج والآليات والوسائل والسياسات اللازمة، ناهيك من الأهداف العليا والمرحلية الواجبة التحقيق، لاسيما بشأن أسلوب التعامل مع مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق، المهددة قبل غيرها بمفاعيل ما يسميه إدريس المشروع الاستئصالـي الأمريكي-الإسرائيلي، الذي يستهدف فلسطين بالدرجة الأولى، ويعمل مهندسوه السياسيون والعسكريون لاستكمال آخر حلقاته، بتهجير شعبها من بلاده ومحو هويته ومعالم وجوده الحضارية. ماذا عن تركيا؟ ألا تشعر قياداتها المتصارعة في الحكم والمعارضة، بأن مصالح البلاد السياسية والاقتصادية والأمنية، أصبحت أكثر ارتباطاً بدول آسيا عموماً، ودول غرب آسيا خصوصاً، مما هي مرتبطة بدول اوروبا وأمريكا الأطلسية؟ ألا يلاحظون أن «إسرائيل»، المدعومة دائماً وبقوة من الولايات المتحدة، باتت بمطامعها التوسعية اللامتناهية، خطراً ليس على فلسطين وشعبها فحسب، بل على وحدة سوريا السياسية والجغرافية وعلى تركيا أيضاً، بدليل أن رئيسها رجب طيب أردوغان كشف في أحد تصريحاته، أن مشروع «ممر داود» الذي تخطط حكومة نتنياهو لتنفيذه، يتضمن قضماً لجزء من الأراضي التركية؟
ثم ماذا عن إيران؟ ألم تلاحظ قيادتها العليا أن إصرار الولايات المتحدة و»إسرائيل»، على محاصرتها اقتصادياً وأمنياً مردّه إلى انتقال الكيان الصهيوني من اعتماد استراتيجية الردع، إلى اعتماد استراتيجية المنع، بمعنى منع إيران من تنفيذ برنامجها النووي حتى لو اقتضى الأمر شنّ الحرب عليها مجدداً، بغية تدميرها وإسقاط نظامها السياسي كليّاً؟ ألا تستوجب مقتضيات أمنها القومي، إزاء هذا الخطر الوجودي الماثل، التعجيل في امتلاك السلاح النووي لضمان استكمال وإعادة تثبيت معادلة توازن الردع مع العدو؟
في ضوء هذه الظاهرات والتداعيات المعادية، يجدر بالقوى النهضوية العربية، وفي مقدّمها حركات المقاومة، أن تضع في حسبانها الحقائق والتحديات والتطورات الآتية:
أولاً: لا مجال ولا احتمال بأن تقوم الدول العربية والإسلامية المتحالفة مع الولايات المتحدة، أو المطبّعة مع «إسرائيل»، باتخاذ قرارات ومواقف إيجابية داعمة لتحرير فلسطين ومساندة قوى المقاومة داخلها وفي محيطها العربي. أقصى ما يمكن الحصول عليه من الدول المطبّعة، خصوصاً المنتجة للنفط، التعويض عن سلبيات التطبيع، بتخصيص مزيدٍ من الدعم المالي للدول العربية المتضررة من حروب «إسرائيل» المتواصلة بغية إعادة إعمارها.
ثانياً: رغم حالة الحروب والاضطرابات، التي تسود الهلال الخصيب الكئيب والمرجّح استمرارها، تبقى شعوب الأمة مصدرَ الدعم الرئيس لحركات المقاومة وسائر القوى النهضوية العربية، من خلال بناء أطرٍ منظِّمة للتنسيق والتعاون في ما بينها وتطويرها، مع الحرص على مراعاة خصوصية الأٌقطار العربية المتضررة.
ثالثاً: يبقى اعتماد حركات المقاومة على نفسها، وعلى قدرات شعوب الأمة المتجاوبة مع أهدافها وآليات نضالها، العامل الأساس المعوّل عليه في كفاحها الميداني، على أن يقترن ذلك بالإفادة قدْر المستطاع من فرص التعاون المتاحة مع الدول والقوى الخارجية المتحررة من الهيمنة الأمريكية.
رابعاً: المقاومة لا تكون بالسلاح فقط بل بكل الوسائل المتاحة والمشروعة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، والإنجازات المتسارعة في حقول العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
خامساً: بات ضرورياً، بل حتمياً أن تتقن حركات المقاومة، قياديين ومقاتلين، التطبيقات الإلكترونية والسيبرانية، كما تقنيات الذكاء الاصطناعي في مواجهة أعدائها، لاسيما وأن العدو الصهيوني يلجأ إلى استخدام هذه التطبيقات والتقنيات المتطورة في عملياته القمعية وحروبه الوحشية. وتبقى مقاطعة منتجات الدول المعادية أجدى وسائل مواجهة أعداء المقاومة، لأن الدول المعادية لا تستطيع وقف أو تعطيل أو منع سكانها، أفراداً وجماعات، من مقاطعة منتجات الدول والشركات المعادية للمقاومة، لأن الناس عامةً يستطعون البقاء أحراراً وقادرين على أن يشتروا أو يمتنعوا عن شراء المنتجات، التي تتنافى مع أذواقهم ومشاربهم ومعتقداتهم، ما يؤدي إلى تضييق وإغلاق الأسواق بوجه منتجات الأعداء، وبالتالي إلحاق الأضرار باقتصاداتهم. مع العلم أن الأضرار الشديدة التي تصيب الاقتصاد غالباً ما تُصدّع كيان أي دولة تعادي أمةً أو شعوباً كثيفة السكان، خصوصا من المسلمين لكون تعدادهم في العالم يربو على مليار وسبعمئة مليون.
أخيراً وليس آخراً، تستطيع دول «مثلث القوة الإقليمي» في هذه الأثناء تفعيل مسار التكامل الإقليمي المنشود، خصوصاً مصر الأكثر حاجة لقيام إطار متماسك لتكامل إقليمي فاعل في منطقة غرب آسيا، حيث الأراضي والموارد والمواقع والمضائق هي الأكثر إغراء وجدوى استراتيجية واقتصادية لمحور التوسّع الصهيوأمريكي.
كاتب لبناني
عصام نعمان

