مقالات

طوفان الأقصى.. نهاية الوهم.. وبداية زمن المنتصر

زياد فرحان المجالي

منذ عقود طويلة، نجحت إسرائيل في تسويق نفسها للعالم على أنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. كانت هذه العبارة درعًا أخلاقيًا يوفّر لها الحماية من النقد، ويغطي على جرائمها المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني. الإعلام الغربي روّجها حتى استقرّت في العقول كحقيقة لا تقبل الجدل.

غير أن فجر السابع من أكتوبر وما تبعه من طوفان الأقصى أطاح بهذه الصورة المصطنعة. فجأة سقط القناع، وبات من المستحيل إقناع العالم بأن إسرائيل واحة ديمقراطية، بعدما ظهرت أمام الأعين دولة استعمارية استيطانية لا تعرف سوى لغة الدم والحصار والتطهير العرقي.

لحظة كسر الوهم

حين اخترقت المقاومة أسوار إسرائيل وأسقطت أسطورة جيشها، لم يكن الأمر مجرد عملية عسكرية. كان زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا أعاد تعريف الصراع. فقد انكشفت هشاشة “الجيش الذي لا يُقهر”، وانهار شعار “الديمقراطية الوحيدة” تحت ركام البيوت المهدّمة في غزة ودماء الشهداء.

لقد فهم العالم أن إسرائيل لم تكن يومًا واحة حرية، بل مصنعًا منظّمًا للقمع والقتل الجماعي. غزة الصغيرة المحاصرة قلبت المعادلة: فبينما دمّرت إسرائيل الحجر، دمّرتها غزة في الضمير العالمي، وأظهرت أن الشرعية الأخلاقية لا تُقاس بالدبابات بل بميزان العدالة.

الهزيمة الأخلاقية قبل العسكرية

الخسارة المادية يمكن تعويضها، أما السقوط الأخلاقي فلا عودة منه. إسرائيل اليوم غارقة في وحل جرائمها، منبوذة أمام شعوب العالم، تفقد صورتها وشرعيتها يومًا بعد يوم. الجامعات، النقابات، والمظاهرات في العواصم الغربية لم تعد تراها “ضحية دائمة”، بل قوة احتلال تمارس الإبادة وتستحق المحاكمة.

لقد نقل طوفان الأقصى القضية الفلسطينية من “نزاع محلي” إلى رمز كوني للحرية والمقاومة. أصبح العالم يتحدث عن غزة، عن الأطفال، عن المظلومين الذين يصمدون في وجه آلة حرب لا ترحم. وهنا تحطمت آخر أوهام أن إسرائيل رمز الحرية، ليُكتشف أنها رمز القمع في أنقى صوره.

زمن المنتصر

المنتصر الحقيقي ليس من يملك الطائرات والدبابات، بل من يفرض روايته ويزرع قضيته في ضمير البشرية. غزة اليوم تقول للعالم: قد تحاصروننا، قد تدمرون بيوتنا، لكنكم لن تسلبوا إرادتنا ولن تمحوا حقيقتكم.

لأول مرة منذ عقود، تجد إسرائيل نفسها تدافع عن صورتها في المحافل الدولية أكثر مما تدافع عن وجودها العسكري. كل قذيفة على غزة كانت تصيبها في سمعتها، وكل شهيد ارتقى كان يفضح دعايتها، وكل كلمة “طوفان الأقصى” باتت عنوانًا لهزيمتها الأخلاقية.

الخاتمة: شكرًا طوفان الأقصى

شكرًا طوفان الأقصى لأنك كشفت زيف “الديمقراطية الوحيدة”، وأعدت فلسطين إلى قلب العالم. شكرًا لأنك أثبت أن الكرامة تُقاس بالصمود في وجه الموت، لا بعدد الطائرات والدبابات. لقد دخلت عبارتك – طوفان الأقصى – إلى التاريخ ككلمة سحرية كسرت جدار الوهم الإسرائيلي، وأعادت الصراع إلى أصله: صراع حق وعدالة، لا صراع حدود وأرض فقط.

ومن هنا يبدأ زمن جديد: زمن المنتصر الذي لم ينحنِ، رغم كل الجراح، وظل ثابتًا كالأرض التي تقاتل من أجلها.

كاتب اردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *