مقالات

مقتدى الصدر يسأل: لماذا لا يحظى النبي بعزاء واسع كما الإمام الحسين؟.. وضع ستّة أسباب من بينها الخلاف حول استشهاد الرسول بالسُّم!.. هل قرّر الصدر مُواجهة غياب الدولة وفسادها بالعراق بالخطاب الديني مع تواصل اعتزاله السياسي؟

خالد الجيوسي

مقتدى الصدر، شخصيّة عراقية جدلية بامتياز، وهو يتبوّأ منصب زعيم التيار الصدري، وله مواقف سياسية جدلية، تفاوتت في حدّتها، وتأثيراتها، وحتى بدّل تحالفاته، ووجّه النقد لحُلفائه عبر تاريخه السياسي، ثم اعتزل السياسة، ووصل أخيرًا للخوض في أمر قد يكون ثابتة شيعية، حين طرح السؤال الجدلي الأبرز لماذا لا يحظى النبي محمد ﷺ بعزاء واسع يليق بمكانته، بينما تحظى ذكرى الأئمة الأطهار ـ ولا سيما الإمام الحسين ـ بأضخم المواكب والشعائر؟

هذا التساؤل الذي نشره الصدر عبر حسابه على منصّة “إكس” قد يضع الصدر في مواجهة انتقادات من أبناء طائفته الكريمة، وهو ما تنبّه له فيما يبدو حين أكد أنه ليس بصدد التبرّي أو الطعن، وإنما يسعى إلى الوقوف على الأسباب التي جعلت الإمامية يركزون على مجالس عزاء الأئمة أكثر من إحيائهم لوفاة الرسول ﷺ. واعتبر أن هذه المفارقة تثير الاستغراب، داعيًا إلى مراجعة الوعي الجمعي وتصحيح الخلل.

ويرى الصدر أن لهذه الظاهرة ستة أسباب رئيسية، وهي بحسبه: الخلاف التاريخي حول تاريخ وفاة النبي، بين رواية الثاني عشر من ربيع الأول (المعتمدة عند السنة) والثامن والعشرين منه (المعتمدة عند بعض الشيعة).

مركزية مأساة كربلاء، التي استحوذت على الوجدان الشيعي وصارت محور العزاء ومقياس الهوية.

تصور المصيبة: بعض الشيعة يرون أن وفاة الرسول لم تكن مأساة استثنائية، لوجود أهله وصحابته حوله، بخلاف بعض الأئمة كفاطمة الزهراء أو الحسين.

البعد المذهبي والسياسي: ارتباط مجالس العزاء عند الإمامية بإغاظة أعداء آل البيت، خاصة بني أمية.

العزاء للأنبياء: الإمامية لا يقيمون عزاءً لسائر الأنبياء كنوح وموسى وإبراهيم، لكن الصدر شدد أن هذا لا ينطبق على خاتم النبيين.

الخلاف حول طبيعة الوفاة: هل مات الرسول وفاة طبيعية أم استشهد بالسم؟ وهو جدل شبيه بالخلاف حول مقتل الزهراء.

لم يتوقّف الصدر عند التساؤل، بل ذهب لدعوة الخطباء بأن يبدأوا كل مجلس عزاء بذكر الرسول الأعظم قبل أي ذكر آخر، معتبرًا أن وفاة النبي ﷺ هي “المصيبة الكبرى” وأن تجاهلها لا يبرره أي سبب.

وأكد الصدر أن من يحيي ذكرى الأئمة دون ذكر النبي يُقصّر في حق الإسلام ذاته، داعيًا إلى أن تكون المجالس “منابر للصلاة على النبي وبيان مكانته ومظلوميته”، على أن يقترن ذلك بذكر آل بيته وأصحاب الكساء.

ومن غير المعلوم تمامًا لماذا خاض الصدر في هكذا جدلية، وبهذا التوقيت “الحرج” الذي يشهده العالم العربي، من اقتتال أهلي، سيقسّمه على أسس عرقية، وطائفية، لكن هذا الطرح يتزامن مع الاستعدادات الإسلامية لإحياء ذكرى مولد النبي محمد ﷺ، التي توافق الثاني عشر من شهر ربيع الأول عند جمهور المسلمين، فيما يدعو الصدر للمُفارقة إلى إحياء عزاء وفاة الرسول.

ويرفض المسلمون “السنة” تحويل استشهاد الإمام الحسين إلى عادة عزاء سنوية، فيما يبرز إحياء ذكرى مولد النبي محمد عندهم، أما المسلمون “الشيعة” فيعتبرون استشهاد الحسين قمّة التضحية، وانتصار الدم على السيف، والتعبير عن ذلك ضمن مواكب ضخمة وطقوس سنوية خالدة.

واستشهد الإمام الحسين في كربلاء (61هـ/680م).

وبالتزامن مع الإثارة الدينية التي طرقها الصدر، واصل زعيم التيار الصدري اعتزاله السياسي، رافضًا العودة إلى السباق الانتخابي.

ويبدو أن تأثير التيار الصدري وشعبيته في العراق، لا تزال لها وزنها، حيث سعت شخصيات حزبية، لخوض الانتخابات التشريعية دون مُباركته، الأمر الذي دفعه لإصدار الخميس، براءته من 15 مرشحًا للانتخابات التشريعية، ينتمون إلى التيار الصدري و”سرايا السلام”، الجناح العسكري المرتبط بالتيار.

وحمل البيان توقيع الصدر شخصيًا، متضمنًا تعبيره الصريح: “أبرأ منهم أجمع”، في إشارة إلى رفضه القاطع لما اعتبره التفافًا على قراره السابق بمقاطعة الانتخابات.

ويشترط الصدر لعودة محتملة إلى الحياة السياسية “تفكيك الفصائل المسلحة كافة، بما فيها سرايا السلام”، وتسليم السلاح إلى الدولة.

وفيما اعتزل الصدر العمل السياسي عقب الانتخابات التشريعية المبكرة في أكتوبر/تشرين الاول 2021، يبدو أن خوضه في الخطاب الديني ليس عشوائيًّا، بل يأتي في إطار يرى البعض أنه إصلاحي، ويدفع باتجاه الضغط المجتمعي بدلًا من دور سياسي برلماني لتيّاره، يرى الصدر أنه يُراوح مكانه، مع استمرار تفلّت السلاح، وتسيّد الفساد مؤسسات البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *