مقالات

المقاومة هي النغمة المطلوبة فرسانها هم من يصنع التاريخ ويمسكون “بسر الزمن الضائع”

دكتورة خديجة صبار

المتأمل لأحداث غزة وما يجري حولها على مدى يناهز السنتين أن لا كلام مع العالم الخارجي إلا بلغة القوة. وأن المقاومة هي خط القضية العربية الصحيح، وغيرها سراب. وأن الممسك بها يمسك بكل الخيوط: فهي التي تعيد للحياة عزتها و كرامتها. قاتل أبطال محور المقاومة الأحرار، قتالا أسطوريا بعزيمة وتفان، وتحملت الشعوب بسبب عيشها لسنوات طويلة في يأس وضياع، بصبر وصمود رغم التشوهات والشروخ والجراح التي تفيض نزفا، بقوا صامدين محتضنين المقاومة، ملتفين حولها بقوة روحية انبثقت من الوعي النابت من الأزمة. وما حققته في غزة وفي بيروت يدل على متانتها الفكرية الممارسة وقدرتها على التنظيم والدقة، وعلى الحقل الثقافي والحضاري ومنطق التمسك بالقيم الذي مارسته في حين انهار انهيارا شاملا عند الطرف الآخر، بالرغم من مظاهر الترف التي هيأتها التقنية المعاصرة: فكيف يطلب حصر سلاح المقاومة وتحييدها في الصراع في لبنان، واعتداءات الكيان الصهيوني وتواجده على الحدود لم تنقطع؟ يبدو أن تجريد المقاومة من سلاحها في هذا السياق منطق أحول لأنها هي التي تشد سكان لبنان إلى أرضهم كمرساة لئلا ينال منهم الكيان الصهيوني الوحشي ذو المسار التشعبي المهووس بالتغلغل والاستحواذ القهري، والذي لا يقيم اعتبارا للإنسان ولا للشرعية الدولية وقوانينها. لا يريد العرب أن يفهموا، إما لعماء إيديولوجي أو لمصالح شخصية أو لحسابات سياسية، أن الغرب الصهيو-أمريكي ينظر إلى الكيان كبضعه سياسيا ودينيا وحضاريا، ومهما فعل فهو مغفور له، ولن تسمح الولايات المتحدة بهزيمة دولته المارقة التي ترتكب أبشع جرائم عرفتها البشرية، في استخفاف تام بالقانون والمعاهدات الدولية، أكانت هيأة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، بل نراها في كل مرة  تقتطع له المزيد من الزمن عبر مفاوضات عقيمة لم تظهر نجاعة المشرفين عليها، عسى أن يحقق الكيان الصهيوني انتصارا ما، ولا يهم أن يمارس الإبادة الجماعية والمجازر العشوائية لآلاف الفلسطينيين قتلا وتجويعا، فهم مجرد “حيوانات” كما صرح بذلك رئيس أركان جيشه السابق “يوآف غالانت”، مضيفا سنقطع الماء والدواء والطعام، تصريح ليس غريبا عن كيان جاء بالإرهاب واغتصب الأرض بالإرهاب. والتجويع حرب وتعذيب، فالإنسان قد ينسى كل شيء حتى العذاب الجسدي إلا الألم المعنوي، وهو من “أخلاق” الكيان الصهيوني، ألم يقترح “هرتسل” مهندس دولته في خطته قبل التأسيس، الاعتماد على تجويع أهل فلسطين عن طريق السيطرة على فرص العمل المحلية ومن تم حرمانهم منها!

 حقائق التاريخ تخبرنا أن قيام الكيان الصهيوني وضياع فلسطين مسؤولية العجز العربي، والجبن العربي، والتفرقة العربية؛ والذي حدد نتيجة الصراع مع الكيان هو الصراع العربي- العربي الذي ما زال مستمرا. الم يصرح الرئيس الأمريكي أنه مول الحربين بالأموال التي حصل عليها من الحكام العرب،”مقاولي الباطن المنفذين للتعليمات” في ظرف ساعة ونصف؟ ويوجه سياسته لحصار مصدر الخطر الحقيقي على الكيان الصهيوني، والمصب المركزي الذي هو سلاح المقاومة، لفهمه أن القضية لن تكسب إلا بنزعه، ولضمان عجز العرب وهزيمتهم وضمان تفوق الكيان. ركزت أمريكا نفوذها السياسي والاقتصادي لتخريب المقاومة العربية المتمثلة في قيادتها التقدمية، فبغير المقاومة والقوة الذاتية ما كان الكيان الصهيوني ليغادر لبنان: المقاومة عامل الإحجام الحقيقي هي من صوبت الاتجاه المفقود منذ مرارة النكسة التي كان وقعها كبير على النفسية العربية، وأعادت اكتشاف الذات. تغليب العسكري على السياسي وتصعيد العنف نحو الذروة لتحقيق الانتصار الكاسح المواجه بالاعتماد على الدبلوماسية والوعد بالتقدم والازدهار؛ مجرد نفاق سياسي رخيص وكذب مكشوف، فهل ازدهرت مصر منذ غرست في ظهرها الكيان الصهيوني؟ ألم “يحاجج “تشرشل” بأن المهاجرين اليهود لن يسلبوا العرب أعمالهم ولا أراضيهم بل على العكس سيخلقون فرص عمل جديدة وثروة جديدة تعود بالفائدة على السكان جميعا” ! الولايات المتحدة الأمريكية كعادتها تتقن لعبة التضليل السياسي والنفاق الدبلوماسي والتمويه لصالح كيان احتلالي شعر باهتزاز أركانه، ولولاها والرجعية العربية على النطاق المحلي الضيق، وبعض العملاء الأقزام لانكشف قصوره الذاتي بفعل المقاومة التي جعلته يعيش نزيفا بتحديها وصمودها في معركة التحرير.

لن يستقل العرب والمسلمون بالفعل و يزدهروا بكوجيتو التسليع والاستهلاك الصهيو- أمريكي “أنا أطبع إذن أنا موجود” إلا باشتغالهم على مشروع عربي إسلامي متكامل يخرجهم من العتمة التي تستغرقهم وكتلة الألم العالقة بهم منذ عام 48. وحتى التطبيع أو التركيع المهين والمرفوض شعبيا للقلة الانتهازية التي هرولت إلى الحضن الصهيوني معتقدة أنها ستضاعف ثرواتها به، تجاوزها جزار الكيان، الذي ليس وراءه إلا الخراب بتصريحه الكاشف أن لا اعتبار للعرب وحقوقهم:”أنه في مهمة تاريخية وروحية”، مؤكدا ارتباطه الشديد برؤية إسرائيل الكبرى؛ وهي مهمة أجيال تحمل إرث اليهود الذين حلموا بالعودة إلى أرض فلسطين، ويواصلون مشروعهم التاريخي جيلا بعد جيل، والتصور التوسعي للمشروع على جدول أعمال الكيان منذ القرن التاسع عشر: كتب “نورمان بنتويش” أن لا حاجة لأن تكون فِلَسطين المستقبل محدودة بحدودها التاريخية، ففي إمكان المدنيَّة اليهوديَة الامتداد على جميع البلاد التي وعدوا بها في التّوراة، من البحر الأبيض المتوسّط حتى الفرات ومن لبنان حتى نهر مصر، هذه هي البلاد التي أعطيت للشَعب المختار. ولن يتم ذلك إلا إذا فرطنا في المقاومة والله تعالى يقول:” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل”. لم يطلب الله منا المستحيل بل طلب منا الممكن والمستطاع أي التمسك بالمقاومة، فلا عيش بشرف وكرامة إلا بها، والتخلي عنها مذلة وهوان وسوء تقدير، قالها الشاعر نزار قباني مرة:”لو كنت أعرف خاتمتي ما كنت بدأت”.

ما يجري في غزة مقياس الضمير الإنساني. وقد أظهرت أحداثها بالملموس أن لا دولة عربية واحدة يمكن أن تجاهر بأنها مستقلة بالفعل، وذات سيادة منذ زرع الكيان في المنطقة وما دام قائما بالأخص من 67. وأمام ما ترتكبه دولة الكيان الصهيوني من إبادة جماعية وحرق وتدمير بوحشية، وتجويع ممنهج وحصار غير مسبوق، وموقف هذه الأنظمة المستقلة اسميا فقط، من عوامل انحطاط وعدم اقتدار ودليل على أن العرب فقدوا الحركة داخل دولهم منذ غيرت الحداثة الغربية والتنوير والعلمنة وضع الصهاينة وجاءت بهم إلى فلسطين، يحملون عبء الرجل الأبيض ويمثلون الحضارة الأوربية التوسعية، ليتقرر مصير المشرق العربي عبر صفقة عقدتها الصهيونية العالمية مع الاستعمار الأنجلو- أمريكي أسفرت عن الاحتلال المقيت. ووحدهم العرب يدفعون ثمن هذه الصفقة عرقا ودما وكرامة في العراق وسوريا ولبنان ومصر واليمن وبأشد وطأة في فلسطين. وأمريكا الإمبريالية المتوحشة مفتونة بالقوة والغطرسة تشتري اليوم تبعية سياسات الدول الأجنبية بالمساعدات والمنح المادية بالإكراه بمعنى أنها تشتري السياسة بالاقتصاد، وتمارس الاستعمار عن بعد.

يقول المؤرخ الفرنسي إرنست بلوخ:”إن فقدان الشعور بالأمان ليس أكثر أنواع الفقد مأساوية، وإنما فقدان القدرة على تخيل أن الوضع الحالي من الممكن أن يتغير هو الأكثر مأساوية على الإطلاق”.أصاب فعل المقاومة الكيان في مقتل، فهرولت أمريكا، العدو الأكبر للأمة العربية ولفلسطين، وأكبر حليف للرجعية العربية في المنطقة، بهستيرية لحمايته وإمداده بشريان الحياة وتزويده بما يحتاجه، ولولا خوفها من الأخطار التي قد تتعرض لها مصالحها في العالم العربي لما ترددت في التدخل. واليوم عينها على المقاومة اللبنانية، ولبنان وجد ليبقى باستقلاله الذاتي وسيادته على أرضه وتعدده وتعايش فسيفسائه، ونبضه بالحياة التي لا تفتنها الطائفية منذ نزاع السبعينيات والثمانينيات، ولا يحني جبهته للكوارث والحروب بل ينهض من رماد النكبات ويرفع راية النصر، رغم محاصرته بالكيان الصهيوني والبترول العربي.

ومقاومة لبنان هي حقيقة وجوده و وجود العرب وكنه قوتهم، وبناء وضعهم الكلي وسط العالم، وغيرها ضعف وخضوع وإذعان. وحصر سلاحها تحت تأثير مليشيات مسيحانية مجنونة وقادة عصابات إجرامية ومن وراءها ليس سوى وسيلة لنفي المسؤولية عن الذات، وعن فظاعة أفعال الكيان بغية الإخضاع؛ فهل جمدت العزة ومتطلبات الترقي واستعادة المجد في عروق الشعب حتى يتخلى لبنان عن الرهان الأساس بين يديه (=المقاومة) الذي يجابه به الكيان المغتصب والمحتل لجزء من أرضه؟ إن العاقل لا يطرح حصر سلاح المقاومة إلا في اللحظة التي يتوقف فيها عقله عن التفكير، ويطغى عليه ما يمكن أن يكون تحليلا سياسيا منطقيا ودقيقا لمكامن القوة والضعف مع كيان منفلت من عقاله: المقاومة اللبنانية جزء من نسيج لبنان المجتمعي والسياسي. وحدها استطاعت أن تجمع حولها ذلك القدر من الطاقات، واستنهضت بواسطتها مشاعر اللبنانيين وكل العرب الأحرار، هذا الرأسمال المادي والمعنوي، زائد القدرة على الدفاع ودرجة التنظيم والانضباط، ومهارات الاشتغال، نموذج البطولة والشهامة الذي جسدته، وطالما فصلت فيه وسائل الإعلام الأجنبية وأثار إعجاب المحللين، هو ما أرق أمريكا حامية الكيان وقصم ظهره وإرهاب دولته، لولا تدخل البنتاجون بإمكانياته حفاظا على احتياط استراتيجي لنزع انتصاره بالقوة، بتكبيل المقاومة، عوض أن يجعل منها النظام رصيده التراكمي الملهم علما أن الكيان الغازي الذي خلقه الغرب وزرعه في الأرض العربية وحوله إلى قاعدة عسكرية استيطانية، بحد السيف، لن يوقف غطرسته سوى المقاومة، وحصر سلاحها مساس بسيادته، علما أن عين الكيان على الجنوب منذ التأسيس، إذ طالب الوفد الصهيوني عام 1949 خلال مؤتمر لوزان، لجنة التوفيق بشأن فلسطين التابعة للأمم المتحدة UNCCP ، بضم الأراضي اللبنانية الواقعة جنوب الليطاني إلى الكيان الغاصب، باعتبار أنها ضرورية لمخططه التنموي. المقاومة دفاع عن الحرية ضد الفاشية، والكرامة ضد الذل والاستعباد، والمروءة والعنفوان ضد الحقارة والمهانة والوضاعة.

لن يفرض لبنان التحرير الكامل لأرضه إلا بالأمر الواقع الذي لا يحققه لا الحوار ولا الدبلوماسية بل المقاومة. فهم الكيان ومن ورائه أمريكا مسألة الرد بالرد كرسالة واضحة المعالم أطلقها سيد الشهداء حسن نصر الله، واستوعب أهمية المقاومة المناصرة والمساندة والحليف والسند، وما تستطيع تحقيقه، من هنا الرغبة الجامحة في اجتثاثها لأنه يرى في بقائها زلزاله الوجودي أو تفجير لوثة الحرب الأهلية في دورها الطائفي، حفاظا على مستعمرة أوربية السكان أمريكية الصنع مزروعة على أرض عربية. غاية الكيان المدعوم أن يصبح القوة القادرة على هزيمة أنظمة الطوق عسكريا وسياسيا، تمهيدا لا فقط لاغتصاب الأرض والثروات بل لاقتلاع الأسس التي يقوم عليها وجود الأمة العربية كلها، وهو مجرد تطبيق لما جاء في خطة حكماء صهيون السرية من فرض السيطرة على العالم عبر اللوبي الصهيوني. وأخشى ما يخشاه كل حر أن تباع ضمائر المسؤولين إلى الصهيونية العالمية: فالسلام من عمل الدعاية، ملهاة لتسلية العرب، لاسيما ومنطقه وهندسته واضحة، إلا إذا عجزنا أن نقرأ أفكار الكيان وأصوله التاريخية وطبيعته التكوينية. نذكر بتأكيد “بن جوريون” ((David Ben Gourioun للجنة التنفيذية الصهيونية:”إننا سنلغي التقسيم بعد تأسيس الدولة ونتوسع لنضم فلسطين كلها.” وكتب لابنه:السؤال الحاسم هو”هل سيؤدي إنشاء الدولة اليهودية، في جزء من فلسطين فقط، إلى الإسراع في تحويل هذا البلد إلى بلد يهودي أو إلى تأخيره؟ أنا أفترض أن إقامة دولة يهودية على جزء من الأراضي أي التقسيم ليست النهاية بل البداية… ستزداد قدرتنا على التمدد في البلد إن حصلنا على الدولة”؛  التقسيم إجراء مؤقت والأولوية هي الحصول على موطئ قدم. كان هدفه خلق دولة خالية من العرب تقريبا؛ فالدواعي العسكرية والإستراتيجية وأهداف التسوية السياسية والديمغرافية كانت كلها مرتبطة في تفكيره وتخطيطه وأعماله، والوقائع العسكرية كانت أساس الأهداف السياسية لخلق دولة يهودية متجانسة العنصر، وجذور الخطة كانت راسية في المفهوم السياسي الإيديولوجي للترحيل، لكنه كان واع لأهمية عدم فضح المخطط والأهداف التوسعية: قبل بما عرض عليه في عام 1937، ولم يكن سعيدا بالخريطة التي عرضت عليه من قبل الأمم المتحدة عام 1947 مع الوعد بتوسيعها وتحققت المعادلة عام 1967.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *