رحلت العقوبات الغربية وظَلّ خرابها: لا أمن غذائياً للسوريين
تَعرف دوراتُ إعادة الإعمار أن الزمن المطلوب لإصلاح ما دمَّره الصراع، عادةً ما يفوق زمن الدمار نفسه. وبالمنطق عينه، فإن تجاوز آثار العقوبات الغربية على السوريين طوال نحو 13 عاماً، لن يكون مهمّة سريعة أو تلقائية. وبالتالي، فإن رفع العقوبات أو تعليقها قد يمنح فسحة سياسية واقتصادية، لكنه لن يكون كافياً لتحويل المعاناة اليومية إلى انتعاش ملموس، ما لم تتوافر السياسات اللازمة لاحتواء الفئات الأكثر تضرّراً.
ولعلّ من أبرز الاعتقادات الخاطئة الشائعة في هذا المجال، أن فتح أبواب التجارة أو الاستثمار أو تحرير التحويلات المالية، سيؤدي تلقائياً، مع مرور الوقت، إلى تحسُّن معيشي شامل، في حين أن التاريخ الاقتصادي للتجربة السورية قبل فترة الحرب، يذكّر بأن سياسات الانفتاح والاستثمار الأجنبي، التي لا ترافقها شبكات حماية اجتماعية وحوافز للإنتاج المحلي، من شأنها أن تؤدّي إلى تكريس الفروق وزيادة معدّلات الفقر، بحسب ما دلّت عليه دراسة حكومية أُجريت في عام 2007، وخلصت إلى أن معدّلات الفقر العام ارتفعت بشكل واضح، مقارنة مع المعدّلات المسجّلة في عام 2004. ولهذا، يبقى أيّ تفاؤل مرتبطاً بقدرة صانع القرار على دمج البُعد الاجتماعي بملامح الانفراج.
مؤشّر لا يحتمل المماطلة
لعلّ أحد أكثر تجلّيات الأزمة وضوحاً، هو ملفّ الأمن الغذائي للأُسر السورية؛ فمع دخول «قانون قيصر» حيّز التنفيذ في حزيران 2020، بدأت مؤشرات القدرة على توفير الغذاء للأُسر، تشهد تدهوراً حادّاً، وتفاقمت الحالة خلال فترة السنوات الأربع التي تلت ذلك، وفقاً لما أظهرته مسوح حكومية وأمميّة متعدّدة، خلصت في جانب منها إلى أن نسبة الأُسر المصنّفة على أنها آمنة غذائياً، تراجعت بدرجة كبيرة من نحو 38.5% في 2019، إلى نحو 9.4% في 2023، وهو تراجع يعكس مدى اتّساع دائرة المعاناة وتمدّد شحّ الغذاء إلى شرائح ومناطق كانت تُعدّ أكثر قدرة على الصمود سابقاً.
في المقابل، لعبت المساعدات والتحويلات دوراً حاسماً في منع انهيار غذائي أوسع؛ إذ أفادت نحو 48.6% من الأُسر بأنها حصلت على شكل من أشكال المساعدة الغذائية والإنسانية في 2023. لكن الاعتماد على الدعم الخارجي، يظلّ سهل التأثّر بتقلّبات التمويل الدولي والأزمات العالمية، وفقاً لما كشفته تداعيات الحرب الأوكرانية التي أدّت إلى إعادة ترتيب أولويات المانحين، وتراجع موارد بعض البرامج. ولذلك، يظلّ الاعتماد على المساعدات مؤقتاً وغير مستدام كحلّ وحيد.
إلى كامل الجغرافيا
على أن الأزمة لم تَعُد محصورة بمناطق النزاع سابقاً أو بمخيمات النزوح فقط، بل باتت آثارها تمتدّ إلى محافظات ذات ثقل اقتصادي وتجاري، ما يشي بأنها بنيوية وشاملة. ويجعل هذا الواقع من الصعب الاعتماد على حلول جزئية أو مشاريع إنعاش محلّية فقط، وهو يتطلّب خطّة شاملة تُراعي الاختلافات المحلية وتوزيع الموارد بأسلوب يحمي الفئات الأكثر احتياجاً.
وبحسب البيانات الأممية، فإن هناك – مثلاً – عشر محافظات سورية زادت فيها نسبة الأُسر التي تعاني من انعدام متوسط في أمنها الغذائي عن 40%، وثماني محافظات زادت فيها نسبة الأُسر المعرّضة لانعدام أمنها الغذائي عن النسبة نفسها المذكورة سابقاً. والسؤال الذي يُطرح في ضوء ما تقدّم: ماذا حلّ بهذه الأُسر بعد تسريح آلاف المدنيين والعسكريين، توقيف وحجز رواتب آلاف المتقاعدين، عودة مستويات الأسعار إلى سابق عهدها، وحالة الرعب والخوف التي اجتاحت مناطق الساحل والسويداء بعد المجازر التي شهدتها؟
ولتقريب صورة الوضع أكثر، والتعرّف إلى حجم المشكلة الاجتماعية المتراكمة في البلاد، يمكن الإشارة إلى أن البيانات الأممية تؤكد أن النسبة الأكبر للأُسر التي تعاني انعداماً شديداً في أمنها الغذائي (5.5%)، تلتها حلب بنسبة 2.7%، فإدلب 2.6%، فالرقة رابعاً بنسبة 2.2%، ثم اللاذقية وحمص.
وليس من الإنصاف، إزاء ذلك، إلقاء المسؤولية كاملة على العقوبات فقط، مع أنها زادت من معاناة المواطنين وعرقلت سلاسل توريد واستيرادٍ وعمليات مالية؛ لكن السياسات الاقتصادية والإدارية الداخلية، من قَبيل إدارة ملف النزوح، وبرامج الحماية الاجتماعية، وسياسات دعم الإنتاج، لعبت أيضاً دوراً محوريّاً في تحديد مدى قدرة المجتمع على الصمود. فارتفاع معدّلات البطالة، وضعف السياسات الزراعية والصناعية، وسوء توجيه الدعم، كلّها عوامل أسهمت في تعميق هشاشة الأمن الغذائي.
أولويات الحكومة الانتقالية
نتيجة ما تقدّم، فإن المطلوب، اليوم، من أيّ إدارة انتقالية، ليس مجرّد انتظار رفع عقوبات خارجية، بل تنفيذ مجموعة إجراءات متزامنة وواضحة تهدف إلى تقليل الاعتماد على المساعدات الطارئة، وبناء قدرة وطنية دائمة. ومن بين هذه الإجراءات، بحسب الاقتصاديين: دعم الإنتاج الزراعي المحلّي كخط أول لتعزيز توافر الغذاء وتقليل الاعتماد على الاستيراد، تأسيس شبكة حماية اجتماعية تغطّي الأُسر الأشدّ هشاشة وتُخفّف بسرعة من آثار الصدمة الغذائية، إعادة توجيه المساعدات بحيث تكون مؤطّرة بخطط تنموية تربط الدعم بإحياء القطاعات المنتجة، بناء شراكات إقليمية وقنوات تمويل بديلة تعين على تجاوز الحصار الاقتصادي الجزئي، واعتماد سياسات سوق عمل تُعيد الامتياز إلى الأيدي العاملة المحلّية وتحدّ من تسرُّب الأطفال من المدارس إلى سوق العمل.
وإذ لم تكن العقوبات الخارجية مجرّد أداة ضغط ديبلوماسي، بل تحوّلت إلى عامل فاعل في تعميق معاناة السوريين، وخصوصاً في ما يتعلّق بتأمين الغذاء، فإن رفعها وحدها لن يُعيد الحياة الطبيعية فوراً. ولذلك، فإن ما يحتاجه السوريون هو مزيج من انفراجات خارجية وسياسات داخلية طموحة تضع العدالة الاجتماعية والإنتاج المحلّي في قلب أولوياتها. وعبر هذا المزيج، يمكن أن تبدأ مرحلة تعافٍ حقيقية، قد تستغرق زمناً أطول بكثير من سنوات الدمار، لكنها الطريق الوحيد لبناء اقتصاد قادر على الصمود وتوفير الغذاء والكرامة لمواطنيه.
رمضان الحكيم

