أميركا تضغط باتّجاه التفاوض المباشر مع إسرائيل: على ماذا نفاوض وبأي توازن قوى؟
منذ إعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون عن ضرورة التفاوض مع إسرائيل لحل المشاكل العالقة، بدا واضحاً أن المشهد السياسي يدخل مرحلة جديدة من الاختبار. الرجل استحضر تجربة التفاوض غير المباشر حول ترسيم الحدود البحرية، وقال ان لا مانع من تكرار التجربة، في إشارة إلى أن التفاوض ليس خطاً أحمر إذا كان في خدمة المصلحة الوطنية. لكن التوقيت والسياق مختلفان كلياً. فلبنان اليوم ليس على طاولة تفاهم تقني، بل في قلب حرب مفتوحة، تتداخل فيها الأهداف العسكرية بالسياسية، ورغبة اسرائيل ببناء شرق أوسط جديد، بخرائط جديدة.
في العام 2022، جرى التفاوض على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل بوساطة أميركية غير مباشرة، وانتهى إلى اتفاق تمكّن لبنان من خلاله من انتزاع اعتراف بحقوقه في حقل قانا. في ذلك الوقت، لم تكن قوة لبنان في حججه القانونية فقط، بل في معادلة الردع التي كان يفرضها حزب الله. كان التفاوض يومها بين طرفين غير متكافئين عسكرياً، لكن معادلة “الغاز مقابل الغاز” أجبرت واشنطن وتل أبيب على التعامل مع الموقف اللبناني بجدية.
أما اليوم، وبحسب مصادر سياسية متابعة فإن المعادلة مختلفة. واشنطن تطرح فكرة تفاوض جديدة، مباشرة هذه المرة، تحت عنوان “وقف العدوان” أو “تثبيت الاستقرار” و”إعادة الإعمار”، لكنها عملياً تسعى إلى اتفاق أمني جديد يحفظ أمن اسرائيل من الجنوب، ويمنحها ما عجزت عن تحقيقه بالقوة، وتُشير المصادر إلى أن اميركا لا تريد مفاوضات تقنية حول نقاط الحدود البرية، ولا تبحث عن آلية لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الثاني الماضي، والذي لم تلتزم به تل ابيب منذ اليوم الأول، بل تسعى إلى تفاوض سياسي أمني طويل الأمد، هدفه تثبيت واقع ميداني جديد على الأرض، وواقع سياسي جديد بإدخال لبنان إلى قطار المطبّعين.
وترى المصادر أن التفاوض المقترح هذه المرة يأتي في ظل عدوان مفتوح، واحتلال فعلي لمناطق حدودية لبنانية، وغارات متواصلة على قرى الجنوب، ما يجعل السؤال الأساسي هو على ماذا يمكن التفاوض؟ إذا كانت الحدود البرية مرسّمة دولياً، وإذا كان هناك اتفاق وقف إطلاق نار قائم، فما الذي يمكن أن ينتج عن مفاوضات جديدة غير إعادة صياغة الشروط الإسرائيلية بطريقة دبلوماسية لفرضها على لبنان مناطق عازلة وإلحاق سياسي؟ علماً أن رئيس الجمهورية وبحسب مقربين منه يطرح التفاوض غير المباشر بعد التزام اسرائيل بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار لا قبله.
واشنطن لا تخفي أنها تريد تهدئة شاملة على الجبهة الشمالية لاسرائيل، ولأن أي هدنة دائمة لا يمكن فرضها بالقوة في الجنوب اللبناني، تحاول الولايات المتحدة نقل الصراع إلى طاولة التفاوض، لتتحول بنود “التهدئة” إلى التزامات رسمية على الدولة اللبنانية، وليصبح حزب الله موضوع التفاوض هذه المرة لا طرفاً فيه.
تُشير المصادر عبر “النشرة” إلى أن هذه المقاربة ليست جديدة. واشنطن سبق أن استخدمتها في ملفات أخرى في المنطقة، خصوصاً في سوريا، حيث جرى ترويج مسار “التسويات المحلية” التي انتهت فعلياً إلى إعادة تموضع أمني يخدم المصالح الإسرائيلية، وهي اليوم تريد استنساخ التجربة نفسها في لبنان، عبر مفاوضات مباشرة تُدار تحت ضغط عسكري إسرائيلي وبتنسيق أميركي مباشر سيتولاه السفير الاميركي الجديد خلال المرحلة المقبلة.
التجربة السابقة في البحر تُظهر أن التفاوض لم يكن ناجحاً بفضل “الوساطة الأميركية”، بل بفضل موازين القوى التي فرضها الميدان، وعندما شعر الأميركي والإسرائيلي بأن الحزب قادر على تعطيل مشاريع استخراج الغاز، اضطرّا إلى القبول بشروط لبنان. أما في البرّ، فالمطلوب هو العكس تماماً، تجريد الحزب من تأثيره وإدخاله في مسار تفاوضي هدفه تحييده، وبالتالي بأي اوراق يمكن للبنان أن يُفاوض هذه المرة؟.
التجربة تُثبت أن التفاوض مع العدو لا يكون منتجاً إلا حين يملك لبنان أوراق قوة حقيقية، أما في غيابها، فإن أي طاولة حوار تصبح مجرد غطاء سياسي لترتيبات أمنية مفروضة، وهنا لا نقصد تحميل المسؤولية لأحد، إنما نحاول توصيف الواقع اللبناني الصعب، ففي النهاية، السؤال ليس ما إذا كان لبنان سيفاوض أم لا، بل من أي موقع سيفاوض، وبأي توازن قوى، علماً أنه بحسب معلومات “النشرة” فقد انطلقت التحضيرات لتشكيل الوفد اللبناني المفاوض للخوض في التفاوض مع العدو الإسرائيلي.
محمد علوش

