غير مصنف

زروعٌ دنا حصادُها

أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله قصة طريفة زبدتها: أن زراً بن حبيش كتب إلى عبدالملك بن مروان كتاباً يعظه فيه، فكان في آخر كتابه: ولا يطمعنك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك، فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون:

إذا الرجال ولدت أولادها     وبليت من كبر أجسادها

وجعلت أسقامها تعتادها     فتلك زروع قد دنا حصادها

فلما قرأ الكتاب بكى حتى بلَّ طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق(1).

درس بأسه شديد بأسلوب كوقع الحديد، لقَّنه زر لأمير المؤمنين في معرفة الذات وحقيقة النفس وصيانتها من الوسواس الخناس، والعجب والغرور بما يملك الإنسان من صحة وعافية وماديات تؤدي إلى نعاس الروح ونوم الضمير والغفلة عن النوازل والمدلهمات، فتمر الأيام والسنوات ولم يقدم صالحاً ينفعه عند الشيب ولحظة الممات، وهي أول سلاسل العيوب التي تستجلب الذنوب وتدنس القلوب وتنزل بصاحبها الكروب.

الكمال الزائف

الغرور صنو العجب، ومرادف الكبر، وهو داء وبيل وشر مستطيل، يؤدي إلى تضخم الأنا وحب الإنسان لذاته، فالمغرور يعتبر نفسه أفضل من محيطه؛ فيزدري جليسه ويحتقر رفيقه، لا يسمع إلا نفسه ولا يرى رأياً غير رأيه، كثير الحديث عن نفسه ورجاحة عقله، وتجده تياهاً بإنجازاته ويعظم أقواله وأفعاله، وأحب الناس إليه من يكون رجع صدى لقوله ورأيه.

وهذا توجيه من الحنان المنان للحبيب المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم إلى إنكار ذاته وعدم المنّ بما يقدم من الجهد واستكثاره واستعظامه، في قوله جل جلاله: (وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) (المدثر: 6).

وعن تفسيرها يقول صاحب «الظلال»: «وهو سيقدم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء، ولكن ربه يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدمه ويستكثره ويمتن به، وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها، فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه، بل حين لا تستشعره من الأصل لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه، فهو فضل يمنحها إياه، وعطاء يختارها له، ويوفقها لنيله، وهو اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله لا المن والاستكثار»(2).

وقل لي بربك: كيف لعاقل أن يغتر بماله وصحته، ومنصبه وقوته، وسطوته وعظمته، وشيطانه وغلبته، وينسى أوبته إلى الله ورجعته، فرب مستقبل يوماً لا يستكمله، ومنتظر                       غداً لا يبلغه؟! (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر: 5).

التطفيف الأخلاقي

الغرور طبيعة تتغلغل في داخل النفس وتظهر عليها عوارضها، وهو خدعة من الشيطان للإنسان تنسيه ما كان عليه وما سيصير إليه، فيرضى بالحياة الدنيا ويطمئن إليها، ويغفل عن آيات ربه ويعرض عنها، وهو داء يأكل الحسنات ويغتال التواضع، ويهدم صرح القربات والطاعات، وإن كانوا يقولون: ما بين الثقة بالنفس والغرور إلا شعرة!

إن الغرور سكرة ناجمة عن جرعة زائدة من الإعجاب بالنفس حجبت عن عقل صاحبها حق ربه وحق نفسه وحق الآخرين، فأعطى نفسه قيمة أكبر من حقيقتها، وقيّم الآخرين بأقل من حقيقتهم؛ فكال بمكيالين ووزن بميزانين فوقع في التطفيف الأخلاقي، قال ابن القيم: «الفرق بينهما أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به، ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها كغارس الشجرة وباذر الأرض، والمغتر العاجز قد فرط فيما أمر به، وزعم أنه واثق بالله، والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود»(3).

أعجب العجائب!

الغرور بحر لجي ومركب عصي كم قصم من ظهور، وحفر من قبور! وكم أردى من رقاب وحطم من شباب! وهو أنواع وألوان، فهناك الغرور بالعلم والمنصب والمال، والصحة والجمال، ولن يطفئ نار الغرور شيء كاستحضار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومطالعة سير الأخيار الزكية، قال رب البرية: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ {6} الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار)، وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغتروا» (رواه البخاري، 6433).

ويلخص الإمام ابن الجوزي ما نحن فيه بهذه المعاتبة الرقيقة والموعظة البليغة فيقول: «من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن الطريق تأهب للسفر، ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه! (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب: 37).

تغلبك نفسك على ما تظن ولا تغلبها على ما تستيقن، أعجب العجائب سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك عما قد خبئ لك، تغتر بصحتك وتنسى دنو السقم وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم، لقد أراك مصرع غيرك مصرعك، وأبدى مضجع سواك -قبل الممات- مضجعك، وقد شغلك نيل لذاتك عن ذكر خراب ذاتك»(4).

ويبقى الدرس الأهم: أن القلوب الحية سرعان ما تقف وتعتبر وترعوي وتنزجر.. والله من وراء القصد.

_______________

 (1) صفة الصفوة (2/ 19).

 (2) في ظلال القرآن (6/ 3755).

 (3) مدارج السالكين (2/ 129).

 (4) صيد الخاطر، ص4.

د.محمد البربري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *