«كيمياء صفقات» بين ترامب ومنير | أميركا ــ باكستان: عودة إلى «زمان الوصل»؟
يوماً بعد يوم، تتسارع وتيرة تزخيم العلاقات الأميركية ــ الباكستانية، وذلك بالاستناد إلى عوامل عدّة، أبرزها تصاعد التوتّر بين واشنطن ونيودلهي، سواء بسبب ملف الرسوم الجمركية، ورفض الأخيرة نسب أيّ دور إلى «أميركا – ترامب» في جهود التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الجانب الباكستاني، أو حتّى على خلفية تطلّع إسلام أباد إلى إحياء عصر جديد من التعاون مع واشنطن، في ملفات عدة، في طليعتها ملف «الحرب على الإرهاب».
وعلى هذه الخلفية، يمكن فهم ما جرى الحديث، أخيراً، عن عزم الحكومة الباكستانية، وبدفع من قائد الجيش عاصم منير، تقديم تسهيلات لشركات أميركية لتطوير وتشغيل ميناء بحري عميق، في بلدة باسني، الواقعة في مقاطعة بلوشستان، والمطلّة على بحر العرب، رغم وجود تحدّيات ملحوظة أمام إتمام الخطّة الاستثمارية المسرّبة.
دوافع باكستان: ديبلوماسية العملات المشفّرة
بالحديث عن دوافع باكستان من الصفقة الاستثمارية المفترضة، والتي لا تزال غير مؤكدة رسمياً، أشارت مجلة «فورين بوليسي» إلى أنّ عرض استثمار ميناء باسني، المعروف كوجهة لصيد الأسماك، يحمل دلالات على «(طريقة) التفكير الإستراتيجي السائدة في باكستان حالياً»، موضحة أنّ العرض، في حال ثبوت صحته، يُظهر «رغبة باكستان في موازنة علاقاتها مع كل من الصين، والولايات المتحدة»، بعدما بدت أقرب إلى الأولى عسكرياً واقتصادياً، في السنوات الماضية، وبخاصة بعد الولاية الأولى لدونالد ترامب، وما رافقها من تقرّب أميركي من الهند، على حساب الحليف التقليدي في «الحرب على الإرهاب».
وأضافت المجلة أنّ الصفقة المزعومة «تبدو أشبه بمناورة (باكستانية) لإعطاء الولايات المتحدة دوراً في حفظ الأمن في مقاطعة بلوشستان، الغنية بالموارد، والأكثر عنفاً» بين سائر المقاطعات، حيث تنشط تنظيمات مسلّحة متطرّفة وانفصالية محلية، كتنظيم «تحريك طالبان»، الفرع الباكستاني لـ«طالبان» الأفغانية، و«جيش تحرير بلوشستان»، اللذين صنفتهما واشنطن أخيراً على «لائحة المنظمات الإرهابية».
وتُدرج مصادر ديبلوماسية في واشنطن وإسلام أباد هذا النهج الباكستاني الجديد، في سياق ما تصفه بـ«علاقة الصداقة» بين قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، والرئيس الأميركي، خصوصاً عقب تزكية الأول وساطة الثاني لوقف المواجهة العسكرية الهندية ــ الباكستانية في أيار الماضي، وما تلى ذلك من حفاوة بالغة بمنير، خلال استضافته في البيت الأبيض في حزيران الماضي.
ترى واشنطن في منير شخصية قادرة على لعب دور إستراتيجي مفيد، بالنظر إلى علاقات باكستان المفتوحة مع الجميع
وكمؤشر إلى رهانات القيادة الباكستانية على إغراء ترامب بمنطق الصفقات المحبّب لديه، تنقل صحيفة «فايننشال تايمز» عن مستشارين مقرّبين من منير، قولهم إنّ الصفقة المقترحة حول ميناء باسني، «تنبع من أفكار عدة طرحها مسؤولون باكستانيون سرّاً وعلانية، للحفاظ على زخم العلاقة مع الإدارة الأميركية، من المشاركة في التعاون ضدّ تنظيمات متشدّدة كتنظيم داعش ــ خراسان، وتأييد خطّته في شأن السلام في غزة، وإتاحة فرص الوصول إلى استثمار المعادن الحيوية (لحساب شركات أميركية)».
وكشفت الصحيفة البريطانية أنّ باكستان وظّفت لهذا الغرض «شكلاً من أشكال ديبلوماسية العملات المشفّرة»، وخصوصاً عبر الدور الذي لعبه وزير العملات الرقمية وسلاسل التوريد، بلال بن ثاقب، «خلف الكواليس»، بغية التقرّب من الدائرة الضيقة لترامب، وعرض فرص تدشين «شراكة إستراتيجية واستثمارية» بين البلدَين في قطاع التعدين، غير المستثمر بغالبيته، ولا سيما في المناطق الغربية (لا تتعدى نسبة إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي 3%).
وكان الرجل أجرى محادثات مع مسؤولين أميركيين في واشنطن، إضافة إلى مستشارين لترامب وأفراد من عائلته، للتوصل إلى اتفاقية إعلان النوايا الموقعة بين شركة «World Liberty Financial»، وهي شركة متخصصة في مجال العملات الرقمية، ويملكها رجال أعمال محسوبون على الرئيس الأميركي، من بينهم زاك ويتكوف (نجل المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف)، وبين «مجلس العملات الرقمية الباكستاني» في نيسان الماضي، إضافة إلى توقيع شركة «USS Metals»، ومقرّها ميزوري، مذكرة تفاهم مع الذراع الهندسية العسكرية الباكستانية لإقامة عدد من المشروعات داخل الدولة الآسيوية، من بينها إنشاء مصفاة نفط، واستثمار موانئ، وربطها بمناجم للمعادن الحيوية للصناعات التكنولوجية.
ماذا عن الصين وإيران؟
خلافاً لتصوّرات سابقة رجّحت انحدار العلاقات الأميركية ــ الباكستانية نحو الأسوأ مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، على خلفية قوله إنّ إسلام أباد لا تقدّم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، وتوصيف باكستان ضمن مشروع «Project 2025»، على أنها دولة «معادية» للولايات المتحدة و«موالية» للصين، بدأت الأمور تأخذ منحى إيجابياً غير متوقّع.
وتجلى ذلك في إغداق العهد الأميركي الجديد سيلاً من الإطراءات على حكومة شهباز شريف، وثبات نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات الباكستانية للولايات المتحدة عند 19%، على عكس نظيرتها الهندية، التي لامست عتبة الـ50%. ويعود هذا التحول، بحسب محللين غربيين، إلى «نجاح باكستان في فهم كيفية التعامل مع رئيس أميركي غير تقليدي كهذا»، وخصوصاً خلال مدة الحرب مع الهند، وبعدها، إلى جانب «حملة علاقات عامة تولاها كبار الجنرالات الباكستانيين».
على أن للعامل الأمني دوراً مساعداً لا يقلّ أهمية، خصوصاً مع تمكن الاستخبارات الباكستانية، في آذار الماضي، من إلقاء القبض على أحد أفراد عناصر «داعش ــ خراسان»، والمتّهم من جانب واشنطن بتدبير عملية تفجير في كابول عام 2021، أسفرت عن سقوط قرابة مئتي قتيل، من بينهم 13 جندياً أميركياً، وتسليمه إلى السلطات الأميركية.
ويضاف إلى ذلك «العرض الجوهري الذي تقدّم به منير لترامب، والذي يقوم على إمكانية تكريس بلاده كقناة ديبلوماسية خلفية للقيام بدور وسيط بين الولايات المتحدة، وخصومها الدوليين كالصين وإيران»، في إستراتيجية ديبلوماسية مماثلة لما انتهجته إسلام أباد في السبعينيات، حين أسهمت في انفتاح الرئيس الأميركي الراحل، ريتشارد نيكسون، على الصين. وحول الرهان الأميركي على إسلام أباد في هذا الخصوص، أوضح الباحث في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، مارفن واينباوم، أن «الولايات المتحدة ترى في منير شخصية قادرة على لعب دور إستراتيجي مفيد، بالنظر إلى علاقات باكستان المفتوحة مع الجميع، بما في ذلك روسيا، والصين، ودول الخليج، وإيران».
مع ذلك، فإن جملة تحديات تتربّص بالتقارب الباكستاني ــ الأميركي، أولها مرتبط بصعوبة موافقة واشنطن على الاستثمار في منطقة خطيرة، كإقليم بلوشستان، وثانيها متصل بالاستياء الذي من المرجّح أن يثيره مشروع تطوير ميناء باسني – بما يعنيه من تحسين وصول واشنطن إلى المعادن الحيوية الباكستانية، وتعزيز الحضور الأميركي في منطقة آسيا الوسطى وبحر العرب، داخل كل من طهران وبكين، لكونه يبعد نحو 160 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية، وقرابة 110 كيلومترات عن ميناء غوادار الباكستاني، المُستثمَر صينياً كجزء من خطة «الحزام والطريق». ويُضاف إلى ذلك، العامل الشخصي والسياسي المتمثّل في صعوبة التنبؤ بأفعال الرئيس الأميركي، والذي جرت العادة أن ينقلب على حلفائه، وليس آخرهم رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي.
خضر خروبي

