لبنان وسعي المقاومة لبناء سردية وطنية
ناصر قنديل
ليست السياسة والحروب كلها موازين قوى، وفي المقارنة بين قوة القوة وقوة السردية والرواية، تقول كل التجارب العسكرية والسياسية أن الموقع الحاسم لقوة الرواية والسردية يتفوق على قوة القوة، والقوة الهائلة التي تستخدم وتفشل في خدمة سردية ورواية معينة للحرب هي خسارة وليست مجرد إهدار للقوة، فقد خسرت أميركا حروبها كلها بسبب انهيار السردية التي بنت تأييد الأميركيين للحرب على أساسها، وليس لأن استخدام القوة كان فاشلا أو ناقصا، وانهار الاتحاد السوفياتي ليس بسبب انهيار قوته العسكرية بل بسبب انهيار السردية والرواية التي قام على أساسها وقدم نفسه من خلالها لمواطنيه والعامل الاقتصادي لم بكن الا عنصر إثبات لسقوط السردية، واليوم تبدو “إسرائيل” الطرف الخاسر في حروب المنطقة رغم كل ما يمكن إيراده في باب المنجزات التي حققتها القوة، والسبب أن السردية الإسرائيلية هزمت أمام الرأي العام، الغربي خصوصاً والأميركي بالأخص، الى حد ان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عجز عن تقديم إجابة متماسكة لطالب أميركي عن سبب التبني الأعمى لسياسات “إسرائيل” وحروبها، وفيما يذهب البعض إلى القول إنه لولا انهيار السردية الأميركية الإسرائيلية للحرب لما اضطرت واشنطن وتل أبيب إلى وقفها، يذهب بعض آخر إلى القول إن مجازر الفاشر في السودان عملية مبرمجة لصناعة سردية تقول إن التوحش سمة حروب المنطقة، وإن الردع في حرب مع شعوب متوحشة يفرض التماهي مع حالتها، وذلك لتبرير الوحشية الإسرائيلية بوحشية مماثلة تنتمي للمنطقة وتقدم مثالاً طازجاً عن التوحش.
في حرب المقاومة مع الاحتلال لم تهزم المقاومة عسكرياً بخلاف الانطباع السائد، بل تصدعت روايتها وسرديتها، فما جرى على الصعيد العسكري الصرف هو أن المقاومة تلقت ضربات قاسية وشديدة القسوة، لكن وظيفة هذه الضربات كان من الزاوية العسكرية تسهيل فرص الجيش الإسرائيلي في الوصول إلى نهر الليطاني في حرب البر، لفرض شروط الاستسلام على لبنان والمقاومة، لكن الحصيلة قالت بعد كل الضربات التي تلقتها المقاومة في سلاحها وقادتها وبنيتها وبيئتها، أن جيش الاحتلال فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق الهدف وخسر الحرب، ولو بقي يمتلك القوة اللازمة لحرب استنزاف، بينما خرجت المقاومة بنظر الرأي العام العربي واللبناني الخاسر في الحرب لأن الرواية التي قدّمتها قبل الحرب لم تصمد ولم تستطع إثبات وجودها خلال الحرب، سواء على مستوى حجم فعالية الردع الذي وعدت به في حال نشوب حرب مع الاحتلال، أو على مستوى القدرة على مواصلة حرب الإسناد لغزة مهما كانت التضحيات.
اعترفت المقاومة بالانتكاسة، وتأقلمت مع الوضع الجديد، وتراجعت خطوة إلى الوراء، فقطعت الطريق على توظيف تراجعها للانقضاض عليها، وفتحت المجال لتصدر سردية أخرى المشهد اللبناني مع الاحتلال، وهي سردية الفريق الذي يقول إن لا أطماع إسرائيلية في لبنان وإن القضية مع الاحتلال هي فقط المقاومة وسلاحها والتهديد الذي يمثله، والتي تقول إن تسلم الدولة مسؤولية الصراع مع الاحتلال وتسليم المقاومة بهذه المسؤولية للدولة، سوف يتكفل بإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات، وهي السردية التي تقول إن أميركا رغم كل ما يجمعها مع كيان الاحتلال معنية بقيام دولة حليفة لها في لبنان، وإن تسهيل وصول من يُعتبرون موضع ثقة أميركا إلى مراكز القرار سوف يكون كافيًا لقيام أميركا بما يلزم لإلزام “إسرائيل” بالتقيد بضوابط السيادة اللبنانية، وصولاً إلى القول إن تسليم المقاومة بالانسحاب من جنوب الليطاني كشرط لوقف إطلاق النار يشكل نقطة البداية لمسار جديد ينهي الاحتلال والاعتداءات، ويفتح الباب لحسم أمر سلاح المقاومة الذي يبطل مبرر وجوده مع دولة تحمي وتحرر وتدافع، كما قال رئيس الجمهورية بثقة في خطاب القسم ربطاً بين حصرية السلاح ودور الدولة في التحرير والحماية والدفاع، فقبلت المقاومة رغم أن القرار 1701 يسمح ببقاء المقاومة جنوب الليطاني إلى ما بعد انسحاب الاحتلال ووقف اعتداءاته، وبدأ مسار عمره بات قرابة السنة.
بخلاف ما يقوله البعض تعليقاً على توجيه رئيس الجمهورية الجيش اللبناني بالتصدّي للتوغل الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، باعتباره تأكيداً على السردية التي تقول بعدم الحاجة للمقاومة وسلاحها، فإن موقف الرئيس يعني سقوط كل السردية التي سادت منذ وقف إطلاق النار، لأن موقف الرئيس يقول إن مزاعم “إسرائيل” بأن لا مشكلة لها مع لبنان إلا المقاومة وسلاحها غير صحيح لأن المسار الذي تسلكه الدولة اللبنانية وتلتزم به المقاومة انطلاقاً من جنوب الليطاني يضمن لـ”إسرائيل” عدم التعرّض لأي تهديد عبر حدود لبنان، ويقول إن عدم تنفيذ “إسرائيل” لما عليها تنفيذه هو المسؤول عن تعطيل هذا المسار، ويقول إن هذا يؤكد أن هدف “إسرائيل” من الاحتلال والاعتداءات هو مصالح وأطماع وتطلعات غير مشروعة على حساب لبنان وأرضه ومياهه وسيادته، ويقول إن الرهان على أميركا لم يكن مجدياً لإلزام “إسرائيل” باحترام السيادة اللبنانية وتطبيق موجبات اتفاق وقف إطلاق النار رغم إن لبنان ومنه المقاومة قد نفذ كل ما عليه، ويقول إن لبنان وجد نفسه مضطراً بعد طول إنكار إلى التلويح باللجوء إلى القوة، قوة الدولة التي ليست مهيأة لمثل هذا الدور، لأنه أجبر على ذلك ولم يُترك له خيار آخر.
هذه الخلاصات كلها تنتمي إلى سردية المقاومة في مخاطبة الدولة والرأي العام اللبناني لإعادة تأسيس معادلة لبنانية جديدة تنطلق من حساب المصلحة اللبنانية وصناعة سردية وطنية جامعة تكون الدولة محورها ويقف الجميع خلفها، وبعدها نرى عند المواجهة إذا وقعت، ما إذا كان من حاجة للمقاومة وسلاحها أم لا، ونبني على الشيء مقتضاه، وعندها نشرع بصياغة استراتيجيتنا الدفاعية، دون أن تعطي المقاومة بالاً لمن يُصرّون على تحويل كل محطة في السياق الوطني إلى عنوان تجاذب بخلفية تصفية حساب مع سردية سابقة تعترف المقاومة بأنها لم تكن موفقة بالإحاطة بكل شروط الفوز بالمواجهة مع الاحتلال رغم كل الإنجازات التي حققتها في التحرير والردع والدفاع لسنوات طوال، ورغم أن جوهرها القائم على حتمية الحاجة للقوة لضمان المصلحة اللبنانيّة ثبت ويثبت كل يوم أنها صحيحة.

