ما الجدوى من التفاوض؟
يتعامل أصحاب الحكم الجديد في لبنان مع العدوان الإسرائيلي اليومي على الناس والقرى والبلدات في الجنوب وكأنه لا يستدعي استنفاراً كاملاً للدولة بكل مقوماتها ومؤسساتها، ولا يتطلب رد فعل وطنياً قوياً وتكاتفاً وطنياً جامعاً مع الجنوبيين. وقد يحاول البعض تبرير ذلك بالقول إن حزب الله هو الذي بدأ الحرب مع العدو الإسرائيلي فليتحمّل مناصروه في الجنوب نتائجها. لكن هذه الحجة تُسقط منطق الدولة لأن مسؤولياتها تجاه مواطنيها ليست مشروطة، كما إن واجباتها بالحفاظ على الأراضي اللبنانية وعلى سلامة المواطنين ليست مشروطة لا في الدستور ولا في خطاب القسم ولا في البيان الوزاري.
الرؤساء الثلاثة والوزراء والنواب يستنكرون الهجمات الإسرائيلية ويُصدرون بيانات شجب تعبّر أحياناً عن تضامنهم مع الجنوبيين، بينما تعقد اجتماعات منتظمة في القصور الرئاسية مع أبرز حلفاء العدو الإسرائيلي للبحث في خطة نزع سلاح الجنوبيين وانتشار الجيش في الجنوب. ويطلب رئيس الجمهورية من الأميركيين قبول العدو الإسرائيلي بالتفاوض مع لبنان ويقول أن لا جدوى من المقاومة المسلّحة لتحرير الأرض. علماً أن المقاومة المسلّحة هي التي حرّرت الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، لا القرارات الدولية ولا الجهود الديبلوماسية ولا التفاوض مع العدو المجرم وحلفائه. توجّه يومها رئيس الجمهورية العماد إميل لحود إلى الجنوب حيث استقبله المواطنون بالورود ورفعوه على أكتافهم تحت العلم اللبناني مكرّساً سلطة الدولة ومكانتها.
صحيح أن إصرار رئيس الجمهورية اليوم على التفاوض مع العدو بوساطة أميركية هو بهدف الوصول إلى اتفاق ينصّ على وجوب: (1) انسحاب الجيش الإسرائيلي من تلة الحمامص وتلة النبي عويضة وجبل بلاط واللبونة والعزية وغيرها من المناطق التي وسّع العدو احتلاله إليها، (2) إطلاق سراح الأسرى والمخطوفين اللبنانيين في معتقلات العدو، و(3) وقف العدوان على جنوب لبنان والخروقات الجوية والبحرية والبرية؛ لكن أليس هذا ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه في 27 تشرين الثاني 2024 والذي تخرقه إسرائيل يومياً؟ فما الجديد؟
جاء في الفقرة الثانية من الاتفاق أنه «ابتداءً من الساعة 04:00 في 27 نوفمبر 2024، ستمنع حكومة لبنان حزب الله وجميع المجموعات المسلحة الأخرى في أراضي لبنان من تنفيذ أي عمليات ضد إسرائيل، ولن تنفذ إسرائيل أي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية، أو أي أهداف أخرى تابعة للدولة، في أراضي لبنان، سواءً براً أو جواً أو بحراً». أمّا الفقرة 12، فجاء فيها أنه «عند بدء وقف الأعمال العدائية، ستسحب إسرائيل قواتها بشكل تدريجي إلى جنوب الخط الأزرق». لم تنسحب إسرائيل بل وسّعت المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان.
ويمكن للرؤساء أن يشترطوا ضمانات أميركية واضحة وربط التفاوض الذي يطالبون به بآلية مراقبة شفّافة، على غرار فرق دولية أو مجلس مراقبة مستقل يشهد على الانتهاكات الإسرائيلية ويوثقها بدقة. ويمكن وضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من لبنان وتحرير الأسرى والمخطوفين؛ والتمسّك بحق لبنان بالدفاع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة. كما يمكن إعلام العدو الإسرائيلي بأن أي انتهاك سيُقابل بإجراءات سياسية من لبنان أو من المجتمع الدولي؛ وتأمين دعم دولي متعدّد ليُصبح التفاوض ليس بين لبنان وإسرائيل فقط، بل تحت مظلة دولية قوية للضغط على إسرائيل. هذه الخيارات كلها متاحة وتشكّل جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار القائم الذي يدعى كذلك «اتفاق وقف الأعمال العدائية».
وبالتالي يمكن للرؤساء الثلاثة بكل بساطة تصوير نسخة من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه منذ عام وتسليمه إلى الموفدين الأميركيين تعبيراً عن الاتفاق الذي يريد لبنان أن يصل إليه في المفاوضات مع العدو الإسرائيلي. علماً أن العدو الإسرائيلي أثبت أنه لا يحترم أي اتفاق لوقف إطلاق النار كما إنه لا يحترم ميثاق الأمم المتحدة (مزّقه السفير الإسرائيلي بوقاحة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة)، ولا يحترم الأحكام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية التي كان رئيس حكومة لبنان الحالي يترأسها، فكيف يمكن أن يحترم ما قد تخلص إليه أي عملية تفاوض مع الدولة اللبنانية؟
وما هي الجدوى الحقيقية من تفاوض لبنان مع العدو الإسرائيلي؟ هل يتعلق الأمر بموضوع الضغط الذي يمارسه الأميركيون على لبنان للتطبيع مع مَن ارتكب ويستمر بارتكاب جرائم القتل والخطف والتهجير والاحتلال؟ وألا يدلّ إصرار رئيس الجمهورية اللبنانية على التفاوض مع العدو الإسرائيلي في ظل الاعتداءات المتكررة على اللبنانيين إلى ضعف سيستغله الإسرائيلي لرفع مستوى مطالبه من لبنان؟
رئيس الجمهورية قال أخيراً إن «منطق القوة لم يعد ينفع»، وهل هو يعتقد فعلاً أن التفاوض مع العدو الإسرائيلي قد يؤدي إلى تحرير لبنان واللبنانيين؟
عمر نشابة

