مقالات

وصاية دولية أم احتلال بصيغة جديدة؟ 

لماذا ترفض الفصائل الفلسطينية مشروع القرار الأميركي في مجلس الأمن بشأن غزة؟

في وقتٍ تستعد فيه الأمم المتحدة للتصويت على مشروع قرار أميركي يمنح خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول غزة غطاءً دولياً، أعلنت الفصائل الفلسطينية رفضاً قاطعاً لما وصفته بأنه “محاولة مقنّعة لإعادة إنتاج الاحتلال تحت مسمى دولي”. 

وبينما تسعى واشنطن لحشد أكبر دعم ممكن قبل التصويت، تتمسّك الفصائل بموقف يعتبر المشروع تهديداً مباشراً لسيادة الفلسطينيين ومستقبل القطاع.

المشروع الأميركي، المعدّل عدة مرات، يهدف—بحسب النص—إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وتحسين دخول المساعدات، ووضع مسار نحو “دولة فلسطينية” في المستقبل. لكن جوهر القرار، كما يوضح سياسيون وخبراء، يقوم على ثلاث ركائز خطيرة:

1. تدويل إدارة غزة عبر “مجلس سلام” يقوده ترامب، بسلطات تنفيذية وقانونية واسعة حتى نهاية 2027.

2. نشر قوة دولية (ISF) تتولى الأمن ونزع سلاح الفصائل، مع انسحاب إسرائيلي “مشروط بالاستقرار”.

3. ربط تقرير المصير الفلسطيني بشروط يحددها المجتمع الدولي، لا بإرادة الفلسطينيين أنفسهم.

وبالرغم من الدعم العربي العلني الذي أبدته ثماني دول عربية وإسلامية للمشروع، ترى الفصائل الفلسطينية أن التعديلات التي أدخلتها واشنطن “تجميلية” لا تغيّر الجوهر.

وفي بيان مشترك للفصائل الفلسطينية، وصفت هذه القوى مشروع القرار بأنه “تطوّر خطير” يستهدف تدمير جوهر القضية الفلسطينية. 

وجاء في البيان أن القرار يمثّل شكلاً جديداً من أشكال الاحتلال، ويشرعن الوصاية الأجنبية على غزة، ويهمّش حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، ويمنح قوة دولية حق التحكم بمستقبل القطاع لسنوات.

ودعت الفصائل الجزائر إلى “موقف تاريخي” يعكس دعمها الثابت للقضية الفلسطينية، ورفض أي مشروع يمس هوية غزة أو سيادتها.

الفصائل ترى أن أخطر ما في المشروع هو البند المتعلق بالقوة الدولية. فبحسب تقديراتها، هذه القوة ستكون بديلاً مؤقتاً عن الاحتلال الإسرائي، لكنه بديل لا يقل خطورة، يتضمن قوة مسلّحة متعددة الجنسيات تُشرف على الأمن وصلاحيات تسمو على أي سلطة فلسطينية ورقابة على حركة الأفراد والمواد داخل القطاع، كذلك القدرة على فرض “إجراءات أمنية” قد تطيل سنوات الانتقال، ومدخل لنزع سلاح المقاومة بشكل إلزامي

بحسب محللين، فإن نزع سلاح المقاومة—المشروط بوجود القوة الدولية—يعني عملياً تجريد الفلسطينيين من أي وسيلة ردع، في وقت لا يضمن المشروع نهاية الاحتلال.

د. ماهر الطاهر قال في تصريحات لقناة الأقصى: “مشروع القرار يستهدف نزع سلاح المقاومة وفرض وصاية دولية على غزة… والمرحلة الانتقالية قد تستمر لسنوات، ما يبقي القطاع تحت احتلال جديد”.

وتزامن النقاش حول القرار مع تسريبات إسرائيلية تتحدث عن تقسيم غزة إلى منطقتين، غزة الجديدة: خاضعة للسيطرة الإسرائيلية شرق “الخط الأصفر”، وتشمل مناطق إعادة الإعمار، وغزة القديمة: مناطق مكتظة غربي الخط، غير مشمولة بخطط الإعمار.

هذه الرؤية الإسرائيلية تتناقض مع إعلان ترامب في خطته أن الانسحاب سيكون “تدريجياً” ومتزامناً مع انتشار القوة الدولية، ما يعكس تناقضاً بين واشنطن وتل أبيب حول مستقبل السيطرة على القطاع.

الكاتب وسام عفيفة يرى أن المشروع الأميركي يحقق لـ”إسرائيل” ما عجزت عنه عسكرياً، ويضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية “غير المباشرة”، ويهيئ بيئة لنزع السلاح، ويعيد السلطة الفلسطينية إلى غزة بشروط خارجية، ويُبقي مسار الدولة “غامضاً وغير ملزم”.

ويقول عفيفة إنه رغم أن وقف النار مصلحة إنسانية، فإن المسار السياسي خطير لأنه قد يحول غزة إلى كيان منزوع السلاح بلا سيادة حتى 2027 وربما أكثر.

الموقف الجزائري

وتعتبر الفصائل أن الجزائر، بصفتها ممثلة العرب في مجلس الأمن، تمتلك القدرة على منع تمرير القرار عبر الضغط السياسي أو الامتناع الملغّي.

ويصف البيان الجزائري بأنه “الأمل الحقيقي لشعبنا”، و”الصوت العربي الحرّ الذي لم يساوم يوماً على فلسطين”.

وفي مواقف واضحة، شدد قادة الفصائل على رفض أي وصاية دولية، ورفض نشر قوات أجنبية، ورفض نزع السلاح، ورفض تحديد مستقبل غزة من أي جهة خارجية.

لماذا هذا الرفض الحاد؟ 

يمكن تلخيص أسباب الرفض الفلسطيني لمشروع القرار الأميركي في النقاط الآتية:

1. انتقاص السيادة وتدويل الإدارة

المشروع يسحب سلطة القرار من الفلسطينيين لصالح مجلس سلام دولي.

2. تكريس الاحتلال بصيغة جديدة

الانسحاب الإسرائيلي “المشروط بالاستقرار” يسمح بالالتفاف على أي التزام حقيقي بالانسحاب.

3. نزع أدوات القوة الفلسطينية

نزع السلاح يشمل حماس وسائر الفصائل، ما يجعل الشعب بلا حماية.

4. خطر تقسيم غزة فعلياً

الحديث عن “غزة الجديدة” و”غزة القديمة” يفتح باباً لتقسيم جغرافي طويل الأمد.

5. غياب ضمانات الدولة الفلسطينية

المشروع يذكر الدولة بشكل “مؤجّل وغير ملزم” بلا جدول زمني أو ضمانات سيادية.

6. خشية من فرض سلطة فلسطينية مرتبطة بالخارج

إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة بشروط دولية يعتبره كثيرون محاولة لإعادة “الحكم بالوكالة”.

لكن الرفض الفلسطيني—الشعبي والفصائلي—واضح وحاد، ويرى أن مستقبل غزة لا يمكن أن يُفرض عبر قرارات دولية أو ترتيبات أمنية جديدة، بل عبر إنهاء الاحتلال واحترام حق الشعب الفلسطيني الكامل في السيادة وتقرير المصير.

الرسالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *