“الدولرة” ليست حلّاً لأزماتنا النقديّة
كشفت صحيفة فاينانشال تايمز عن نقاشات تجري داخل أروقة الإدارة الأميركيّة، لتشجيع الدول الأخرى على اعتماد الدولار “عملةً رئيسيّة”. ولهذه الغاية، التقى مسؤولو البيت الأبيض ووزارة الخزانة مع الاقتصادي الأميركي المعروف ستيف هانكي، للبحث في كيفيّة تسويق هذا الخيار. وبحسب الخبر نفسه، رشّح هانكي مجموعة من الدول لاعتماد هذه السياسة، ومن بينها لبنان ومصر.
وقد يكون من المفيد هنا التذكير بأفكار هانكي، لفهم أسباب حماسته لهذا النوع من السياسات. فهانكي محسوب على تيّار اليمين الكلاسيكي الليبرتاري، الذي يؤمن بضرورة تقليص دور الدولة والحد من تدخلاتها إلى أقصى حدود. وضمن هذه الرؤية العامّة، ينادي هانكي بتضييق مهام المصارف المركزيّة وصلاحيّاتها، إلى درجة تعطيل السياسة النقديّة وتهميش دورها. وهنا بالتحديد، يدخل مفهوم “الدولرة” الذي يروّجه هانكي، علاجاً للأزمات النقديّة في دولنا النامية.
فعند هذه المدرسة الاقتصاديّة المتطرّفة، من الممكن معالجة التضخّم والاضطرابات النقديّة في الدول المأزومة اقتصادياً، عبر استبدال العملات الوطنيّة بعملات أجنبيّة مستقرّة، مثل الدولار. أو يمكن استبدال المصرف المركزي بمجلس نقد، تقتصر صلاحيَته على خلق النقد بالعملة الوطنيّة، بقدر ما تتوفّر له تغطية من احتياطات العملة الصعبة. وفي هذه الحالة، تصبح العملة الوطنيّة مجرّد ظِلّ يعكس وجود عملة أجنبيّة أخرى، مثل الدولار، ما جعل هذا الخيار أيضاُ نموذجاً مقنّعاً من “الدولرة”.
يدخل مفهوم “الدولرة” الذي يروّجه هانكي، علاجاً للأزمات النقديّة في دولنا النامية
واهتمام هانكي بالشأن اللبناني ليس جديداً. فعند بدء الأزمة الماليّة في لبنان، أفرط الخبير الأميركي في نشر المقالات والمقابلات التي حصرت تشخيص المشكلة بالجانب النقدي فقط، ما دفعه إلى الاعتقاد بأنّ “الدولرة” كفيلة بإعادة الثقة بلبنان. وبهذا الشكل، تجاهل هانكي حاجة لبنان إلى التعامل مع أزمات أخرى ذات طابع مصرفي ومالي، ما يفرض الحاجة إلى سياسة نقديّة خاصّة تخدم مسار التعافي الاقتصادي، بدل استبدال المصرف المركزي بمجلس نقد كما يقترح.
في جميع الحالات، يبدو أنّ العقيدة التي يتبناها هانكي قد تلاقت أخيراً مع مصالح البيت الأبيض. فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبحث حالياً عن أدوات تحمي هيمنة الدولار الأميركي، في أسواق المال الدوليّة، بعدما انخفضت حصّة الدولار من احتياطات المصارف المركزيّة إلى أدنى مستوى منذ ثلاثة عقود. وكما هو معلوم، تُعتبر هيمنة الدولار أحد مقوّمات النفوذ الجيوسياسي الأميركي، التي تسمح بالسيطرة على قنوات المدفوعات العالميّة، أو بفرض العقوبات على الدول الأخرى.
غير أنّ خيار “الدولرة”، الذي يخدم مصالح واشنطن، لا يمكن أن يمثّل علاجاً للمشكلات الاقتصاديّة في الدول النامية، كما يروّج هانكي. والتجارب السابقة تدل على نوعيّة المشكلات البنيويّة، التي يمكن أن تنتج عن هذا النوع من الخيارات.
فاعتماد خيار “الدولرة الشاملة” في أي دولة نامية، سيعني فقدانها السيادة النقديّة بالكامل، ما يعني خسارتها لأدوات بديهيّة مثل التدخّل في أسعار الفوائد أو اعتماد التيسير الكمّي وضخ السيولة في فترات الركود. وبذلك، تصبح الدولة رهينة دورات الفائدة في واشنطن، أو حركة السيولة العالميّة، بمعزل عن مدى تناسب هذه التقلّبات مع السياق المحلّي.
تُعتبر الإكوادور خير مثال على هذا النوع من التداعيات المؤلمة. فقبل نحو ربع قرن، وتحت تأثير الاضطرابات النقديّة القاسية، قرّرت هذه الدولة التخلّي عن عملتها، واعتماد الدولار الأميركي عملة رئيسيّة. وبالفعل، تخلّصت الإكوادور يومها من التضخّم المفرط، بعد اعتماد عملة أجنبيّة أكثر استقراراً من عملتها السابقة.
اعتماد خيار “الدولرة الشاملة” في أي دولة نامية، سيعني فقدانها السيادة النقديّة بالكامل، ما يعني خسارتها لأدوات بديهيّة مثل التدخّل في أسعار الفوائد أو اعتماد التيسير الكمّي وضخ السيولة في فترات الركود
لكنّ الإكوادور باتت منذ ذلك الوقت مُعتمدة على التدفقات النقديّة الواردة، المتأتية من بيع النفط وتحويلات المهاجرين واجتذاب الودائع. وأصبحت البلاد عرضة للأزمات المتكرّرة، الناتجة عن ارتفاع الفوائد الأميركيّة وهجرة الرساميل، أو انخفاض أسعار النفط. ولهذه الأسباب، بقي الاقتصاد المحلي يعاني دورات الانكماش الدوريّة، فيما فقدت الدولة أدوات خلق النقد للتدخل خلال الأزمات. ومع تراجع دور الدولة، تنامت الفروقات الطبقيّة، وتوسّع الفقر، ما عرّض البلاد للاحتقان الاجتماعي الدائم.
قبل ربع قرن أيضاً، وبتأثير من النظريات نفسها، اعتمدت الأرجنتين على نظام مجلس النقد، وربطت عملتها باحتياطات الدولار بشكلٍ صارم، في محاولة للتخلّص من شبح التضخّم وانهيار سعر صرف العملة المحليّة. لكن في العام التالي، عانت البلاد تراجعاً حادّاً في احتياطات العملة الصعبة، فيما ارتفعت الفوائد على الديون إلى مستويات خياليّة. وهكذا، اضطرّ النظام المصرفي إلى فرض قيود على السحوبات، وأُعلنَ أكبرُ تخلّف عن سداد الديون السياديّة في التاريخ وقتها، ثم انهار نظام مجلس النقد.
ما يمكن استنتاجه من تجربتي الأرجنتين والإكوادور، هو أنّ “الدولرة”، أو الربط بالدولار عبر نموذج مجلس النقد، يمكن أن يوفّرا استقراراً نقدياً مؤقتاً، لكنّهما قد يفاقمان أشكالاً أخرى من الأزمات الاقتصاديّة. فهذا النوع من السياسات يفرض على الحكومات تقشّفاً قسرياً وحاداً، ما يفقدها المرونة المطلوبة للتعامل مع أولويّات تحريك عجلة الاقتصاد، أو دعم شبكات الحماية الاجتماعيّة، أو إعادة هيكلة الديون السياديّة.
أمّا المصارف المركزيّة، فستفقد أيضاً مرونتها مُقرضاً “الملاذ الأخير” للمصارف أو للقطاع العام، بعد تجريدها من القدرة على خلق النقد. وفي المقابل، ستتأثّر أسعار المنتجات المحلّية بقوّة الدولار في مواجهة العملات الأخرى، ما سيعرّض القطاعات الإنتاجيّة لفقدان القدرة التنافسيّة، مع كل ارتفاع محتمل في سعر صرف الدولار.
حين يقترح هانكي اليوم “الدولرة” الشاملة أو نظام مجلس النقد، في لبنان أو مصر أو أي دولة نامية، فهو يكرّر الأخطاء نفسها التي حصلت في الإكوادور والأرجنتين قبل ربع قرن، إذ يطرح هانكي فكرته وصفةً معلبةً وجاهزة، للتخلّص من اضطرابات الأسعار والتضخّم المفرط، لكنّه لا يلتفت إلى المسؤوليّات الأخرى المُلقاة حالياً على حكومات هذه الدول، والتي لا يمكن التعامل معها إلا بوجود سياسة نقديّة ومصرف مركزي مُكتمل الدور والصلاحيَات.
المشكلة الأهم، التي أشارت إليها تقارير صندوق النقد الدولي سابقاً، تكمن في صعوبة التراجع عن نظام “الدولرة” بعد اعتماده. بهذا المعنى، لن يكون بإمكان حكومات الدول النامية العودة بسهولة إلى الوضع السابق، في حال وقعت في فخ “الدولرة”، وتبيّنت لها التداعيات السيئة التي يمكن أن تنتج عن هذه السياسة.
ما يمكن استنتاجه من تجربتي الأرجنتين والإكوادور، هو أنّ “الدولرة”، عبر نموذج مجلس النقد، يمكن أن يوفّرا استقراراً نقدياً مؤقتاً، لكنّهما قد يفاقمان أشكالاً أخرى من الأزمات الاقتصاديّة
أخيراً، تقتضي الإشارة إلى أنّ بعض الدول تمكنت في ظروف محدّدة، ولأهداف واضحة جداً، من استخدام نظام مجلس النقد بنجاح. فعلى سبيل المثال، اعتمدت دول بحر البلطيق في الماضي على هذه السياسة، عبر تأمين التغطية لعملاتها المحليّة، وربطها باحتياطات اليورو التي تملكها. إلا أنّ هذه السياسة كانت مجرّد خطوة مرحليّة هادفة، على طريق الاندماج في اقتصاد الاتحاد الأوروبي، واعتماد اليورو عملة وحيدة لاحقاً، وهو ما تمّ الآن بالفعل.
وعليه، لم تكن هذه الخطوة تبنياً لعملة أو سياسة نقديّة اجنبيّة، بقدر ما كانت دخولاً تدريجياً في عملة وسياسة نقديّة مشتركة. ولم يتم طرح الفكرة علاجاً سحرياً للمشكلات الاقتصاديّة المحليّة، كما يتم طرح “الدولرة” أو مجلس النقد اليوم، من بعض المتحمسين.
علي نور الدين

