العشائر في سورية… إعادة تموضع
تاريخياً، حضر البدو في المشهد السوري بوصفهم جزءاً من النسيج الاجتماعي، رغم أنهم ظلُّوا في موقع هامشي قياساً بالمركز السياسي والإداري في المدن، وامتدّت تجمّعاتهم من البادية الوسطى وريف حمص الشرقي إلى دير الزور والرقّة، ومن أطراف السويداء حتى الحدود العراقية والأردنية، قبائل وعشائر متعدّدة، تختلف في أوزانها الديمغرافية وامتداداتها الجغرافية ودرجة استقرارها. تعامل نظام الأسد (الأب والابن) مع عشائر البدو بثنائيةٍ راوحت بين الاستثمار والتهميش. فمن جهة، استعان بشيوخ عشائر في الانتخابات، وفي إدارة بعض الملفّات الأمنية والانتخابية، من دون أن تصبح هذه الاستعانة تمثيلاً سياسياً مؤسّسياً أو شراكةً حقيقيةً في صنع القرار، ولم تُدمَج مناطقهم في مشاريع تنموية متوازنة، فبقيت نسب التعليم والخدمات والبنى التحتية متدنيّةً قياساً بالمراكز الحضرية الكبرى.
وبعد اندلاع الثورة السورية (2011)، ثم عسكرتها، أعادت عواملُ تفعيلَ الشبكات العشائرية إطاراً للحماية والتعبئة والتنظيم، منها ضعف مؤسّسات الدولة، وانسحابها الجزئي من مناطق واسعة، حيث فرضت قوى أمر واقع متعدّدة نفسها، فانقسمت الولاءات العشائرية بين النظام والمعارضة، وانخرط بعض أبناء القبائل في تشكيلاتٍ مسلّحةٍ في طول الجغرافيا السورية وعرضها، ودفعت عوامل اقتصادية (الجفاف، انهيار الزراعة والرعي، اقتصاد الحرب…) مجموعاتٍ عشائريةً إلى الانخراط في أنشطة تهريب أو اضطرتها إلى دخول تحالفات مع قوى مسيطرة على الأرض. وفي مرحلة ما بعد سقوط النظام، ووصول أحمد الشرع إلى السلطة الانتقالية، برزت إشكالية تمثّلت في: كيف يمكن لسلطة جديدة، بجيش منهك وأجهزة قيد إعادة البناء، أن تبسط نفوذها في بلدٍ مجزّأ، خصوصاً في الأطراف والبادية؟ في هذا السياق، لعبت القبائل البدوية دورها بين القوى المحلّية القادرة على لعب دور مساعد في الحفاظ على الحدّ الأدنى من “الاستقرار”، بحكم امتلاكها شبكات تضامن داخلية، ومعرفة دقيقة بالجغرافيا، وقدرة على التحرّك في مساحات واسعة.
كان ذلك الدور واضحاً بصورة خاصّة في محيط محافظة السويداء وضمنها، وشرقاً في طرق البادية الرابطة بين محافظات عديدة. في بعض الحالات، شاركت عشائر البدو في مهام تتعلّق بحفظ الأمن المحلّي، أو حماية طرق، أو الوساطة في نزاعات، في إطار تفاهمات غير مُعلَنة مع السلطة، إن ساهمت في معالجة بعض الفراغات الأمنية، فإنها أثارت في الوقت نفسه مخاوفَ من إعادة إنتاج نمط سابق في توظيف البنى العشائرية أدواتِ ضغطٍ أو قوىً “احتياطيةً” خارج الإطار المؤسّسي. والمشكلة أن هذا التعاون، حين يجري في الظلّ يترك المجال مفتوحاً لكل أنواع التأويل، في ظلّ قناعة قارّة لدى شرائح واسعة من السوريين بأن السلطة تسلّح عشائر للضغط على الأقليات، فتحوّلت تلك العشائر “ذراعاً ضاربةً” غير مُعلَنة (تحت شعار “الفزعة”)، تُستخدَم حين يَصعُب على أجهزة السلطة التدخّل المباشر.
على كل حال، لا يمكن التعامل مع البدو كتلةً واحدةً متجانسةً، فالاختلافات واضحة بين القبائل والعشائر، وبين تلك التي استقرّت في القرى والبلدات، وأخرى لا تزال أقرب إلى نمط الحياة الرعوي… كما أن مستوى المشاركة أو القرب من السلطة الانتقالية يختلف تبعاً للظروف المحلّية، لا تبعاً لقرار مركزي مُوحَّد من البدو بوصفهم فئةً واحدة. والحديث عن البدو في سورية مسألةُ سياسةٍ وأمنٍ ومعيشةٍ يوميّةٍ، ولا ينبغي للعلاقة معهم (ومع القوى المحلّية عموماً) أن تبقى محصورةً في منطق التفاهمات الأمنية المُؤقّتة، بل لا بدّ من تطويرها لتبرز صيغُ تمثيل محلّي حقيقية تدمجهم ضمن مؤسّسات رسمية، عبر أطر تشاركية (مجالس محلّية منتخبة مثلاً)، بدلاً من المحسوبيات أو العلاقات الشخصية مع شيوخ بعينهم. فالصيغة “أمن مقابل الولاء” هي تكرار لوصفة قديمة أثبتت فشلها، وتنذر بمخاطر تُكرِّس الاعتماد على ولاءات عشائرية خارج إطار القانون والمؤسّسات، بما يُضعف عملية بناء دولة حديثة قادرة على التعامل المتساوي مع المواطنين.
البدو اليوم ليسوا قوةً صاعدةً سياسياً تسعى إلى الهيمنة، وأيضاً ليسوا هامشاً بريئاً خارج الصراع. هم جزء من مجتمع يُعاد تشكيله بقسوة، تحمل ذاكرتهم إرثَ تهميش طويل، وخبرات عميقة تكيّفاً مع السلطة، ومع غيابها أيضاً. الطريقة التي ستتعامل فيها السلطة في مقبل الأيام معهم ستكون مؤشّراً على اتجاه بناء الدولة السورية الجديدة، إمّا دولة تعيد تدوير الهامش عند اللزوم، أو دولة تعترف بالتنوع الاجتماعي وتوفّر له الإطار المؤسّسي، فالبدو شركاء في النقاش السوري المتمحور حول “أيّ دولة نريد؟”، وليسوا في حوافِّ الخريطتَيْن السياسية والطبيعية.
حسام أبو حامد

