اتفاق الغاز الهندي الأميركي وجديد خنق روسيا
رغبة أميركا والغرب في إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، دفعتهما في بداية الأمر إلى تفعيل العقوبات الاقتصادية، التي شملت تجميد نصف أرصدة الاحتياطي النقدي الأجنبي لروسيا، ومصادرة بعض الاستثمارات الروسية في أميركا وأوروبا، وفرض عقوبات واسعة على قطاع الطاقة الروسي سواء النفط أو الغاز، وخطوات عقابية أخرى. لكنّ تلك الإجراءات وغيرها لم تحقق أهدافها منذ عام 2022 وهي وقف الحرب الروسية على أوكرانيا، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات من العقوبات الغربية، ومن هنا كان اللجوء إلى آلية التفاوض مع مجيء دونالد ترامب، الذي جمع بين مسار التفاوض مع فلاديمير بوتين من أجل إنهاء الحرب، بل والمقابلات المباشرة، مع الاستمرار في فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على روسيا.
إلا أن ذلك لم يمنع ترامب من أن يوسع دائرة الضغط على روسيا عبر فرض عقوبات من نوع آخر، حيث لجأ إلى تهديد بعض الدول المستوردة للنفط من روسيا، ومن بين أبرز تلك الدول، الهند، التي تصنف على أنها ثاني أكبر مستورد للطاقة من روسيا، وكذا دول جنوب شرق آسيوية أخرى. وعلى الرغم من العلاقات التجارية والسياسية القوية بين واشنطن ونيودلهي، قرر ترامب، في أغسطس/ آب 2025، فرض رسوم جمركية على واردات أميركا من الهند تصل إلى 50%، بسبب استمرارها في استيراد النفط الروسي، بل لمزيد من الضغط، فرضت أميركا عقوبات اقتصادية في أواخر نوفمبر 2025، على أكبر شركتين روسيتين للنفط، هما روسنفت ولوك أويل، اللتان تمدان المصافي الهندية بالنفط. ولم يصل ملف التفاوض بشأن الرسوم الأميركية المرتفعة على الواردات الهندية، إلى نتيجة نهائية بعد، وإن كانت وسائل الإعلام بين فينة وأخرى تصدر حالة من التفاؤل حول إمكانية التوصل إلى حل لهذه المشكلة بين البلدين الحليفين.
وعلى الرغم من روح التحدي التي يتسم بها الأداء الروسي تجاه العقوبات الأميركية والأوروبية، فإن الاقتصاد الروسي تأثر بالفعل من تلك العقوبات. فحسب أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي، فإن الناتج المحلي الإجمالي لروسيا تراجع من 2.29 تريليون دولار إلى 2.07 تريليون دولار في 2023، ثم استعاد بعض النمو، فوصل إلى 2.17 تريليون دولار في 2024، ولكنه لم يصل بعد إلى ما كان عليه ما قبل الحرب. ومما يزيد من صمود روسيا في الحرب ومواجهة العقوبات الغربية، على الصعيد الاقتصادي، امتلاكها سلعاً استراتيجية، مثل الطاقة والحبوب، وهي سلع تحتاج إليها العديد من دول العالم، وبخاصة في أوروبا وأفريقيا وآسيا. وفي مجال الصادرات السلعية، تراجعت روسيا بسبب العقوبات بشكل لافت للنظر، فبعد عوائد بقيمة 592 مليار دولار في عام 2022، تراجعت تلك الصادرات إلى 417 ملياراً في 2024، أي إن قيمة التراجع بلغت 175 مليار دولار، وبما يمثل نسبة 29.5%. أما الواردات السلعية لروسيا، فقد زادت وتيرتها بعد الحرب. ففي عام 2022 كانت الواردات السلعية لروسيا 276 مليار دولار، وارتفعت إلى 302 مليار دولار في 2023، ثم انخفضت إلى حد ما إلى 294 مليار دولار.
البديل الأميركي
المزايا التي تقدمها روسيا للدول المستوردة للنفط والغاز منها، تجعل تلك الدول تقدم مصالحها على ما سواها، وبخاصة أن روسيا توسعت في استراتيجية النفط الرخيص، مع عدة دول من بينها الهند، والصين، وتضم كذلك تركيا وكوريا الجنوبية ودولاً آسيوية أخرى. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 أُعلن اتفاق أميركي هندي، تقدم أميركا بمقتضاه للدولة الآسيوية امدادات من الغاز الطبيعي، بشحنات خلال عام 2026، تمثل 10% من إجمالي واردات الهند من الغاز الطبيعي، وهو ما يعد بديلًا أميركيًا تستفيد منه الهند، عوضًا عن وقفها استيراد النفط الروسي. وفي الإطار نفسه، نشرت وكالة رويترز أخيرًا، تصريحًا لألب أرسلان بيرقدار، وزير الطاقة التركي، مفاده أن بلاده جددت عقودًا لشاحنات استيراد غاز بـ22 مليار متر مكعب من روسيا، ولكن هذا التعاقد ينتهي بنهاية عام 2025. وأضاف أرسلان أن بلاده تدرس الاستثمار في إنتاج الغاز الأميركي، وسط مساعيها لتنويع مصادر الطاقة. وتبين أن واردات تركيا من الغاز الروسي انخفضت لتصل حصة الغاز الروسي إلى نسبة 40% فقط من سلة واردات تركيا من الغاز. وثمة تصريحات لترامب، بشأن عزمه على الحديث مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بشأن الامتناع عن استيراد الطاقة الروسية، ولكن الأمر مع الصين لن يكون بهذه السهولة أو الآليات التي استخدمتها أميركا مع الهند وتركيا، وغيرها من الدول التي تستورد الطاقة الروسية.
أوراق روسيا في مواجهة الغرب
لا تقف روسيا مكتوفة الأيدي أمام الإجراءات التي تستهدف من خلالها أميركا شل الاقتصاد الروسي بها، ليأتي راكعًا قابلًا بوقف الحرب. ولا تزال روسيا تحافظ على بقاء تكتل “أوبك +” النفطي الذي تلعب فيه دورًا بارزًا مع السعودية. ويلاحظ أن تكتل “أوبك +” لا يزال يمارس دورًا في سوق النفط العالمية، وتنتظر الأسواق القرارات التي ينتظر أن يتخذها التكتل، بشأن كميات الإنتاج، ولعل السعودية وروسيا، هما الدولتان الرئيسيتان اللتان تقبلان بضغط الإنتاج الخاص بهما أو خفضه، لمراعاة حالة توازن الأسعار من وجهة نظر التكتل. كذلك تتجه روسيا بشكل كبير لتفعيل ما يعرف بالصفقات المتكافئة من جهة، وكذلك توسيط العملات المحلية في التجارة الخارجية مع العديد من الدول، وبخاصة أعضاء تجمع بريكس، كذلك فإنها تقبل تسويات مالية لتجارتها الخارجية، بعملات أخرى بخلاف الدولار أو اليورو، مثل اليوان الصيني أو الدرهم الإماراتي.
ومن الواضح أن إمكانية الاستغناء الكامل لأوروبا عن الغاز الروسي، غير ممكنة في الأجل القريب، فحسب ما نشرته وسائل الإعلام أخيرًا، ثمة قرار جرى التوصل إليه بشأن اتفاق المجلس الأوروبي مع البرلمان الأوروبي للاستغناء عن الغاز الروسي بنهاية عام 2026 وحتى خريف 2027. وهو ما يعني أن ثمة متنفسًا لروسيا عبر ميزة امتلاكها لسلعة استراتيجية، لا يمكن لأكبر خصومها الاستغناء عنها في الأجل القصير. وتشير البيانات إلى أن أوروبا بعد ما يزيد من ثلاث سنوات ونصف من العقوبات الغربية، وعبر 19 حزمة من العقوبات، عجزت عن الاستغناء التام عن النفط الروسي. ويشكل الغاز الروسي حاليًا ما نسبته 12% من إجمالي واردات أوروبا من الغاز، بعد أن كانت هذه النسبة 45% قبل الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022.
متى يُهدَّد الاقتصاد الروسي؟
حالة الإذعان السياسي والتركيع الاقتصادي والمالي التي تهدف أميركا إلى أن تصل إليها روسيا، في إدارة ملف الحرب على أوكرانيا، عبر بوابة العقوبات الاقتصادية، قد لا تتحقق لاعتبارات كثيرة، ذكرنا بعضها في ما يخص ما تملكه روسيا من مقومات اقتصادية. كذلك، فإن النتيجة المتحققة خلال ما يزيد على 3 سنوات، لم تصل بعد إلى حالة إذعان موسكو، وإن تأثر الاقتصاد الروسي سلبيًا. الأمر الآخر والمهم، أن الصين ترى أن هذا الملف يمثل إحدى الأدوات غير المباشرة لهزيمة أميركا وأوروبا، سواء على الصعيد القيادي للنظام العالمي، أو على صعيد تفتيت جهود أميركا وأوروبا تجاهها كقوة اقتصادية لديها العديد من القضايا المختلف عليها معهما. ومن هنا، فإنّ الصين تقدم الدعم لروسيا، عبر بوابات مختلفة، على رأسها استمرارها في استيراد العديد من السلع الروسية، ومنها الطاقة، والملاحظ أنه لم تتجه أميركا أو أوروبا بعد للضغط بقوة على الصين لوقف استيراد الطاقة وباقي السلع الروسية. وإذا نجحت أميركا في إقناع الصين بعدم استيراد الطاقة الروسية، فسيكون من السهل خنق روسيا اقتصاديًا.

