مقالات

أوروبا واستراتيجية الأمن القومي الأميركي

استراتيجية الأمن القومي الأميركي، الوثيقة التي أعلنتها إدارة الرئيس ترامب، “تعتبر خريطة طريق”، على حدّ تعبيرها، “لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم وأنجح دولة في تاريخ البشرية”. في النظرة إلى أوروبا ترى الوثيقة “أن الاتحاد الأوروبي يقوّض الحريات السياسية والسيادة ويمارس الرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية. ويبدي مسؤولون أوروبيون استياءهم من نبرة أميركا. ولكنهم، في حين يسارعون إلى إعادة بناء جيوشهم المهملة لمواجهة ما ينظر إليه تهديداً من روسيا، ما زالوا يعتمدون بشدة على الدعم العسكري الأميركي”. وتضيف الوثيقة: “أغلبية أوروبية كبيرة تريد السلام، إلا أن هذه الرغبة لا تترجم إلى سياسات، ويعود ذلك إلى حدّ بعيد إلى تقويض تلك الحكومات للعمليات الديمقراطية”، وتدعو إلى تحقيق “الاستقرار الاستراتيجي” مع روسيا.

يبدي مسؤولون أوروبيون استياءهم من نبرة أميركا، لكنهم ما زالوا يعتمدون بشدة على الدعم العسكري الأميركي

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد دعا في بداية ولايته الأولى إلى “الاستقلال الاستراتيجي” عن الولايات المتحدة بشكل خاص، وهي التي كانت منذ ولاية ترامب الأولى تمارس ضغطاً على شركائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لزيادة تمويلهم في هذه المنظمة، في موازاة الإصرار على وقف تمويل الحرب بين روسيا وأوكرانيا بمئات المليارات دفعتها أميركا، ويصرّ ترامب على استعادتها بوسائل مختلفة. في كل الحالات، تاريخياً في العقود الماضية على الأقلّ، كان واضحاً أن أميركا لا تريد اتحاداً أوروبياً قوياً متماسكاً ناهضاً سياسياً واقتصادياً وذا دور فاعل في القضايا الشرق-أوسطية. وتجاهلت أميركا كثيراً من القضايا التي تعاني منها البشرية والدول الحليفة لها، وكان يمكن أن تشكّل أسسَ تعاون مع أوروبا في دول الاتحاد وخارجه في أفريقيا وعلى مستوى العالم، مثل التغيّر المناخي. وقد أصرّ ترامب على الانسحاب من المعاهدة المُوقَّعة بخصوصه، وإسقاط اتفاقية التنوّع الثقافي التي حاولت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) إقرارها أكثر من مرة، لأن النفَس الأميركي هو نفسُ هيمنةٍ واقتصاد السوق المفتوح للأقوى.
ولا يمكن لأحد أن يتجاهل أن أوروبا اليوم هي القارّة العجوز، ولم يعد فيها كبار في السياسة وقادة بارزون مميّزون، وتجتاحها موجة تطرّف وظهور حركات يمينية ونازية خطيرة، وحالات انقسام عرقي وطائفي وتحريض واستهداف لفئات من لون معيّن أو دين معيّن، وشهوات سيطرة واستعمار دول أفريقيا ووضع اليد على خيراتها. وهذا باب صراع كبير تفتحه أميركا لتحلّ محلّ الأوروبيين، ولها شريك أساس في هذا السعي هو إسرائيل. وقد خرج مسؤولون أوروبيون يعترفون بتنامي دور اليمين المتطرّف ليقولوا: “لغة الوثيقة الأميركية أشد تطرّفاً من اليمين المتطرّف عندنا”. لكن ليست أميركا عموماً، وإداراتها المتعاقبة خصوصاً في العقود الماضية، هي المرجع الصالح للحديث عن تقويض الديمقراطية وقمع الحريات. ما جرى في أميركا من تعقّب ورصد أساتذة الجامعات وقمع تحرّكات الطلاب الرافضة للإبادة الجماعية الإسرائيلية للشعب الفلسطيني وتهديد الجامعات بوقف تمويلها وإقالة رؤساء عدد منها، وقمع الطلاب والعمل على سحب إقاماتهم وترحيلهم من البلاد، وتهديد نواب بالإعدام نتيجة مواقفهم المنتقدة إسرائيل وسياساتها وأعمالها ضدّ الفلسطينيين، والضغط على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، واستهداف “تيك توك”، وتهديد قضاة محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لأنهما أدانتا إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ضدّ الإنسانية وعملية إبادة ضدّ الشعب الفلسطيني. ولا تنكر أميركا أنها صاحبة دور أساسي في خلق حركة طالبان لمواجهة التمدّد الشيوعي في المنطقة، الذي أشارت وثيقة استراتيجية الأمن القومي إلى زوال خطره، وبالتالي لم تعد الحرب اليوم بين “جبّارين”، بل بين قوى كبيرة. وإذا كان ثمّة حديث عن الإرهاب، وباللغة الأميركية والإسرائيلية وبعض شركائهم، فهو بتعريفهم ودورهم من صُنعهم، بدأ مع “طالبان” لتتفرّع منها المنظمات بالتكاثر المبرمج التي تصنّف اليوم في لوائح الإرهاب.
تتصرّف أميركا انطلاقاً من أنها الدولة الكبرى، بل أنها الخيار الوحيد اليوم. فإذا أصابتها خسارة هنا أو هناك فهي لا تؤثّر في مساراتها المرسومة، وهي قادرة على استيعاب نتائجها ومفاعيلها، أمّا الآخرون فليسوا كذلك. تفرض سطوتها وقراراتها على الأمم المتحدة وتحاصر المنظّمات التابعة لها، تتحكّم بمصدر تمويلها وتعطّل دور المؤسّسة الأم ومتفرّعاتها، إلا عندما تكون لها مصلحة في ذلك، تغيّر الميزان في العالم لمصلحتها… هذا واقع.
تعاني روسيا مشكلة أوكرانيا وتُستنزَف، وأميركا تلعب على وتر (وداخل) الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد الروسي. مع كوريا الشمالية تطبيع علاقات، احتواء، تحييد ومراقبة. العملاق الصيني هو الأهم ويتصرّف بعقل بارد، وثمّة محاولات لتطويقه والحدّ من تأثيره في مجالات حيوية كبيرة وكثيرة على الكرة الأرضية كلّها، عسكرياً وتقنياً ومشاريع ورؤى وصندوقاً استثمارياً فيه ثروات كبيرة. لكن ذلك كلّه لا يهدّد قوة أميركا الآن، ويمكن الوصول إلى تفاهمات وتنظيم الخلافات وحصرها في حدود ساحات ومساحات معيّنة مع كل العبثية التي تميّز السياسة الأميركية. أمّا في أوروبا فتخبّط، حال من الفوضى والقلق وعدم الوضوح والضياع والتنافس. ولا تزال ألمانيا تحت ثقل التاريخ سياسياً في مواقفها تجاه قضايا مهمة في العالم؛ شاهدنا أثرها رغم الجبروت الأميركي والإبادة الإسرائيلية في غزّة، وكيف تحرّكت شعوب ومنظّمات وهيئات جعلت إسرائيل تعترف بـ”خسارة معركة الوعي”، وأميركا تنبّه إلى سقوط “صورة إسرائيل” وتأثّر صورتها معها.

ليست أميركا مرجعاً صالحاً للحديث عن تقويض الديمقراطية وقمع الحريات

هنا تكمن أهمية أوروبا: الأنوار، الحرية، الديمقراطية، التنوّع، الأخوّة، الإنسانية، العدالة. ولا عدالة في الداخل إذا كان تنكّر للظلم في أي موقع في العالم. وأبرز مثال على ذلك الانحرافات الأوروبية الكبرى واللاعدالة في مواقف حكومات من خطر إبادة الشعب الفلسطيني على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي.
أوروبا الفكر، الأدب، الثقافة، الانفتاح، مدعوة إلى تفكير عميق هادئ بمستقبلها ودورها في ظلّ خطر الاستراتيجية الأميركية لعقود مقبلة، والممارسات الأميركية الحالية والاستهدافات المُعلَنة استراتيجياً للاتحاد الأوروبي ودوره والاتهامات التي تساق ضدّه. المرحلة ليست مرحلة الاستقلال الاستراتيجي اليوم، لكن الضرورة تقضي بتفكير استراتيجي هادئ لمواكبة وثيقة الأمن القومي الأميركي. المشكلة مرّة جديدة: لم يعد ثمّة كبار في مواقع القرار، لكن تاريخ أوروبا وتجاربها يُبقي أبواباً كبيرة مفتوحة لتجنّب السقوط وتعميم الفوضى والعبثية والتوترات الأمنية.

غازي العريضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *