مقالات

انكسار نفطي في الشرق الأوسط… علامات ضعف تضرب الأسواق وبرنت يواصل التراجع

تواجه سوق النفط في الشرق الأوسط موجة ضغط متصاعدة تكشف تراجع قدرتها على فرض شروط التسعير، في ظل وفرة إمدادات تفوقت على الطلب الفعلي. فقد انخفض الفارق السعري لخام مربان الإماراتي القياسي فوق الخام المرجعي العالمي إلى أدنى مستوى له منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول، في إشارة مباشرة إلى تراجع شهية الشراء وتزايد صعوبة تصريف الخامات الإقليمية، ولا سيما في الأسواق الآسيوية. وعزز من مؤشرات هذا الضعف قرار شركة أرامكو السعودية خفض سعر خامها القياسي الموجه إلى آسيا إلى أدنى مستوى له في خمس سنوات، وهو ما يعكس احتدام المنافسة بين المنتجين في سوق باتت تعاني تخمة معروض واضحة، وتراجعا في قدرة الموردين على الحفاظ على علاوات سعرية.

وتظهر مؤشرات أخرى في الشرق الأوسط أيضا علامات ضعف. ومن بينها اتساع الخصم السعري لخام دبي مقارنة ببرنت، المعروف باسم فارق برنت – دبي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو سبعة أسابيع. وتراجعت الفوارق السعرية بين بعض الخامات الفورية ومؤشر دبي، وفق بيانات “جنرال إندكس”. وسجل خاما زاكوم العلوي وعُمان علاوة سعرية تراوحت بين 50 و60 سنتا فوق خام دبي في نهاية الأسبوع الماضي، مقارنة بنحو 90 سنتا في بداية الشهر. وعلى المستوى العالمي، يتجه خام برنت لتسجيل ثالث عام متتال من التراجع، في مسار يؤكد أن توقعات زيادة الإمدادات العالمية على الاستهلاك طغت على المخاوف الجيوسياسية، وأعادت رسم ميزان السوق. وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن سوق نفط الشرق الأوسط لم تعد بمنأى عن اختلالات أعمق، باتت تضغط على الأسعار من داخل المنطقة نفسها، لا من خارجها.

وتتوقع مجموعة “آي إن جي” ارتفاع الإمدادات بنحو 2.1 مليون برميل يوميا العام المقبل، مقابل نمو الطلب بنحو 800 ألف برميل يوميا. وفي المقابل، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز الإنتاج الاستهلاك بمقدار 3.8 ملايين برميل يوميا في عام 2026. وقال رئيس استراتيجية السلع في مجموعة “آي إن جي”، وارن باترسون، بحسب “بلومبيرغ”: “من المتوقع أن يتسع فائض المعروض في سوق النفط خلال عام 2026، عقب قرار تحالف أوبك+ تخفيف تخفيضات الإنتاج بوتيرة أسرع من المتوقع”. وأضاف: “كما ينتظر أن ينمو إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك بمعدل قوي، رغم ضعف الأسعار هذا العام”، لافتا إلى زن حجم الفائض المتوقع وتراكم المخزونات المرتقب من شأنهما أن يفرضا ضغوطا إضافية على منحنى الأسعار الآجلة، في إشارة إلى تسعير النفط خلال الأشهر المقبلة.

فائض فائق

من جانبها، حذرت شركة “ترافيغورا”، إحدى أكبر شركات تداول السلع في العالم، من أن سوق النفط يواجه ما وصفته بـ”فائض فائق” العام المقبل، مع تزامن دخول موجة من الإمدادات الجديدة إلى السوق مع ضعف النمو في الطلب العالمي، وهو ما ينذر بمزيد من الضغوط على الأسعار، بحسب فايننشال تايمز. وقال كبير الاقتصاديين في “ترافيغورا”، سعد رحيم، إن مشروعات الحفر الجديدة وتباطؤ نمو الطلب من المرجح أن يواصلا الضغط على أسعار الخام التي تعاني أصلا من مستويات متدنية. وأضاف، في تصريحات أدلى بها الثلاثاء الماضي على هامش إعلان النتائج السنوية للشركة: “سواء سميناه فائضا أو فائضا فائقا، فمن الصعب الهروب من هذا الواقع”. وتراجع سعر خام برنت بنحو 16% منذ بداية العام، وهو في طريقه لتسجيل أسوأ أداء سنوي له منذ عام 2020. ومن المتوقع أن تتعرض الأسعار لمزيد من الضغوط مع دخول مشروعات كبرى حيز التشغيل العام المقبل، من بينها مشروعات في البرازيل وغويانا.

ومن المنتظر أن يتباطأ نمو الطلب من الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، خلال العام المقبل، في ظل الانتشار الواسع للسيارات الكهربائية، التي أسهمت في خفض الطلب على البنزين بشكل حاد. وفي المقابل، دفعت الأسعار المنخفضة هذا العام الصين إلى زيادة مشترياتها من الخام لتعزيز مخزوناتها الاستراتيجية. وقال رحيمو إن الصين تحتاج إلى الاستمرار في الشراء بهذا المعدل حتى لا يظهر هذا الفائض الفائق في وقت أبكر. وفي الولايات المتحدة، تحاول الحكومة الإبقاء على أسعار النفط عند مستويات منخفضة، فيما تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسياسة “احفر، احفر، احفر”، في إطار دفعه لزيادة الإنتاج المحلي. و في أكتوبر/تشرين الأول، توقع رئيس تداول النفط في “ترافيغورا”، بن لوكوك، أن تنخفض أسعار النفط إلى ما دون 60 دولارا للبرميل قبل أن تعاود الارتفاع. وأضاف في حينه: “أعتقد أننا قد نرى الأسعار في نطاق الخمسين دولارا في مرحلة ما خلال فترة أعياد الميلاد وبداية العام الجديد”.

اضطرابات محتملة

وارتفعت أسعار النفط أمس الاثنين مع تغلب اضطرابات الإمدادات المرتبطة بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا على مخاوف فائض المعروض، وكذلك على أثر احتمال التوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا. وارتفعت عقود خام برنت الآجلة 30 سنتا، أو ما يعادل 0.49%، لتصل إلى 61.42 دولارا للبرميل، كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 28 سنتا، أو 0.49%، إلى 57.72 دولارا للبرميل. وكان العقدان قد انخفضا بأكثر من 4% خلال الأسبوع الماضي، تحت ضغط توقعات تسجيل فائض في الإمدادات خلال عام 2026، وفق رويترز. 

ونقلت الوكالة عن كبير الاقتصاديين في معهد “إن إل آي للأبحاث، قوله: “تأرجحت محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا بين التفاؤل والحذر، في حين تتصاعد التوترات بين فنزويلا والولايات المتحدة، ما يثير مخاوف من اضطرابات محتملة في الإمدادات”. وأضاف: “لكن مع افتقار الأسواق لاتجاه واضح، تبقى مخاوف فائض المعروض قوية، وإذا لم تتصاعد المخاطر الجيوسياسية بشكل حاد، فقد ينخفض خام غرب تكساس إلى ما دون 55 دولارا مطلع العام المقبل”. وأظهرت بيانات الشحن ووثائق ومصادر بحرية أن صادرات النفط الفنزويلية تراجعت بشكل حاد منذ أن صادرت الولايات المتحدة ناقلة نفط في وقت سابق من الأسبوع الماضي وفرضت عقوبات جديدة على شركات الشحن والسفن التي تتعامل مع منتج النفط في أميركا اللاتينية.

وتراقب الأسواق عن كثب تطورات المشهد وتأثيرها في إمدادات النفط، في وقت أفادت فيه رويترز بأن الولايات المتحدة تخطط لاعتراض مزيد من السفن التي تنقل النفط الفنزويلي عقب مصادرة الناقلة هذا الأسبوع، ما يزيد الضغط على الرئيس نيكولاس مادورو. وفي المقابل، واصلت التوقعات المتزايدة بفائض المعروض الضغط على الأسعار. وقالت وحدة أبحاث السلع في بنك “جيه بي مورغان” في مذكرة، السبت الماضي، إن فوائض النفط في عام 2025 يتوقع أن تتسع أكثر خلال عامي 2026 و2027، مع ترجيح أن يفوق نمو الإمدادات العالمية نمو الطلب، بمعدل يعادل ثلاثة أضعاف وتيرة نمو الطلب حتى عام 2026.

وأظهرت بيانات رويترز، أن إيرادات روسيا من النفط والغاز خلال ديسمبر/كانون الأول مرشحة للتراجع بنحو النصف مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى 410 مليارات روبل (5.12 مليارات دولار)، متأثرة بانخفاض أسعار الخام وقوة الروبل. وقد يؤدي التوصل إلى اتفاق سلام محتمل في نهاية المطاف إلى زيادة إمدادات النفط الروسية، التي تخضع حاليا لعقوبات غربية. وعلى صعيد الإمدادات الأميركية، خفضت شركات الطاقة في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي عدد منصات حفر النفط والغاز العاملة للمرة الثانية خلال ثلاثة أسابيع، بحسب ما أفادت شركة “بيكر هيوز” للخدمات النفطية يوم الجمعة الماضي.

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *