أخبار عربية ودولية

بين «طالبان» وجهاديّي سوريا: لماذا انفصل الفرع عن الأصل؟


أنعش الإخفاق الأميركي في أفغانستان حركات «الإسلام الحركي» التي تتبنّى فكر «الجهادية السلفية»، القائم على إعادة تشكيل النصوص الدينية عبر عدسة الصراع والغلبة، وعلى القطيعة مع المفاهيم التي أنتجها علم الاجتماع الحديث، باعتبار ذلك سبيلاً لتحقيق «النهضة» في مجتمعاتها وفق منظورها. وقد كان الشاهد الأبرز على ما تقدّم، عودة حركة «طالبان» إلى الحكم في أفغانستان في آب 2021، وهو حدث ألهب مخيّلة الكثيرين في الصين والشيشان والشرق الأوسط، ولا سيما بعدما نجح مشهد الانسحاب الأميركي في تصدير صورة «المصير البائس» الذي آل إليه أولئك الذين أمضوا قرابة عقدين في العمل مع الجيوش الأميركية، قبل أن تُقرِّر واشنطن، ومن دون مقدّمات تُذكر، الانسحاب فجأة، تاركةً إيّاهم لكي يواجهوا مصيرهم أمام من عملوا على مواجهة تلك الجيوش.
وآنذاك، فتحت صور المتعلّقين بالطائرات الأميركية في مطار كابول عدسة «الزوم الجهادية» إلى أقصى اتّساعها. ومن دون أدنى شك، كان ذلك كافياً لإذكاء روح التعبئة لدى هذه الحركات، ومدّ مشاريعها بزخمٍ كان يُظنّ أن الزمن سيطول قبل أن يتبلور، ولا سيما بعد التراجع الملحوظ في «حظوظها» عقب أحداث 11 أيلول في نيويورك، وما استولدته من ضغط دولي على التيارات الجهادية، والذي بلغ حدّ «نقي العظام».

في هذا السياق، كانت «هيئة تحرير الشام»، الحاكمة في إدلب، والمُعلِنة انفكاكها عن تنظيم «القاعدة» مع استمرار تبنّيها فكر «الجهادية السلفية»، من أولى الحركات التي استلهمت «الحدث الأفغاني» في حينه. وقد أظهرت مقاطع مُصوّرة، في أواخر آب 2021، كوادر من «تحرير الشام» وهم يجوبون شوارع إدلب احتفالاً بعودة «طالبان» إلى الحكم، قبل أن تُصدِر «الهيئة» بياناً هنّأت فيه «الشعب الأفغاني بهذا الفتح المبين والنصر العظيم». وأضافت أن «المقاومة السورية تستلهم هذه النماذج المُشرِّفة من المقاومة والجهاد»، متعهّدة «السير قدماً على الخطى التي رسمها الشعب الأفغاني العظيم في دحره للغزاة».

ولم يكن تبنّي «تحرير الشام» للفكر الجهادي، على الرغم من إعلان انفكاكها عن «القاعدة»، أمراً خافياً على الدول التي دعمت وصول الهيئة إلى سدّة السلطة في دمشق في الثامن من كانون الأول من العام الماضي. غير أن الرهان، وفق ما تُظهره مكاشفات عدّة سرت على ألسنة الكثير من المسؤولين الغربيين السابقين – بدءاً من روبرت فورد، آخر سفير أميركي في دمشق، وصولاً إلى ديفيد بترايوس، المدير السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية (CIA) -، انصبّ على قدرة هذه «الجماعة» على التكيّف مع البيئة الاجتماعية السورية المُعقّدة، وذلك بحكم انتمائها إلى الأكثرية السنّية التي خسرت السلطة لمصلحة الأقليات لأكثر من ستة عقود. أيضاً، راهن هؤلاء على قابلية «تحرير الشام» لتلبية الشروط التي تضعها الفواعل الدولية الداعمة لوصول الهيئة إلى الحكم. وانطلاقاً من تلك الرهانات، سادت في الغرب مقاربة مفادها أن ظروف صعود «تحرير الشام» ستفرض عليها سلوكاً مغايراً تماماً لذلك الذي انتهجته حركة «طالبان»، التي ظلّت متمسّكة بثوابتها في توصيف الوجود الأميركي احتلالاً، ومقاومته كـ«فرض عين» على كل قادر عليه.

الدعم الغربي الذي حظي به الشرع وفّر له «مظلّة» كان من الممكن أن تتيح له هامشاً من المناورة


يضاف إلى ما تقدّم، أن «هيئة تحرير الشام» ليست مرتبطة مباشرة بـ«الصدمة النفسية» العميقة التي استولدتها أحداث أيلول في نيويورك، وذلك على عكس «طالبان» التي وجدت نفسها «رهينة» تلك الصدمة، وفي أتونها راحت مواقفها تُظهِر قدراً كبيراً من «تفهّم» الدوافع التي قادت إلى الحدث المذكور. لا بل ذهبت الحركة إلى حدّ تحدّي الإملاءات الأميركية مهما كانت الأكلاف، وهو ما أتاح لها، في نهاية المطاف، قلب كثير من المفاهيم والمصطلحات السائدة في الفضاء «الجهادي».

كذلك، فرضت عوامل متعدّدة، من الموقع الجغرافي إلى الارتباطات التاريخية والموروث المجتمعي، تبايناً في التعاطي الغربي إزاء سوريا وأفغانستان، على الرغم من تربّع «سلطة جهادية» في كلتيهما، إذ بينما تراجعت الأهمية الجيوسياسية لأفغانستان منذ تفكّك الاتحاد السوفياتي، ازدادت أهمية سوريا للغرب بفعل مشاريع «الشرق الأوسط الكبير» و«الشرق الأوسط الجديد»، اللذيْن تمثّل الجغرافيا السورية قلبهما، بل و«المسرح» الأساس للتحوّلات التي ستقود إلى أيّ من «الشرقين» اللذين لا يختلفان في الكثير.
وعليه، فإن الدعم الغربي الذي حظي به أحمد الشرع وفّر له «مظلّة» كان من الممكن أن تتيح له هامشاً من المناورة أكبر بكثير من ذلك الذي أتيح لـ«طالبان». وفي هذا السياق، تشير العديد من الدراسات الغربية إلى أن «طالبان» أجرت «1382 مشاركة دبلوماسية مع 80 دولة» بين عامَي 2021 و2024، استحوذت الصين وتركيا وإيران على 83% منها. وفي المقابل، سجّلت سوريا تحت حكم الشرع، الذي أكمل عامه الأول من الحكم قبل أسابيع، أكثر من 1500« مشاركة دبلوماسية»، تصدّرتها الولايات المتحدة وتركيا وقطر والمملكة المتحدة، بنسبة «تجاوزت 90%».

ولعلّ هذا الفارق وحده كفيل بمنح «جهاديّي سوريا» فرصاً أكبر للتغلّب على التحدّيات التي وجدوا أنفسهم أمامها، علماً أن «جهاديّي أفغانستان» واجهوا تحدّيات مشابهة. فكما اصطدمت «طالبان» بصعوبة دمج مكوّنات عرقية، مثل الأوزبك والطاجيك، واجه الشرع معضلة مماثلة مع العلويين والدروز والأكراد. غير أن الفارق الجوهري تمثّل في «البعد الخارجي»، والذي كان داعماً في الحالة السورية، وضاغطاً في الحالة الأفغانية.

وبينما سعت «طالبان» إلى فكّ عزلتها من دون تقديم تنازلات سياسية، بدا الشرع مكتوف اليدين، بل واللسان، حيال «الجموح» الإسرائيلي الذي استباح الجنوب السوري حتى باتت دمشق على مرمى حجر. أمّا «فصل الخطاب» في ذلك، فجاء تحت عنوان أن «البلاد مُنهكة بفعل الحرب»، وأن ميزان القوى القائم كفيل بتحويل تصنيف فعل السكوت من مرتبة «الذهب» إلى مرتبة «الألماس»، طالما أن هذا الفعل يضمن بقاء «النواة الجهادية» وسط الأعاصير التي تكاد تعصف بالبلاد بأسرها، لا بتلك النواة فحسب.

عبد المنعم علي عيسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *